
سمية النور دهب
من بدّل مواقفه بتبدّل المواقع، فليتريّث قبل أن يوزّع صكوك الوطنية.
في تعليقه على خطاب رئيس حكومة “تأسيس” الفريق أول محمد حمدان دقلو، بدا مني أركو مناوي وكأنه يخوض معركة شخصية أكثر من خوضه نقاشاً سياسياً موضوعياً. فبدلاً من تفكيك الأفكار التي طُرحت أو مناقشة مضامين الخطاب في سياق الأزمة الوطنية، انصرف إلى السخرية من الشكل، والتشكيك في الدوافع، وإعادة إنتاج خطاب يقوم على التقليل لا على التحليل.
خطاب دقلو سواء اتفقت معه أو اختلفت حمل رسائل واضحة تتعلق بالمسار السياسي، وبالانفتاح على مبادرات إفريقية، وبالاستعداد للذهاب إلى تسوية تنهي الحرب. كان من الممكن أن يكون الرد نقاشاً حول جدية الطرح، أو حول آليات التنفيذ، أو حول الضمانات المطلوبة. لكن ما قُدّم للجمهور كان أقرب إلى تعليق انفعالي يحاول تقزيم الحدث بدلاً من مقارعته بالحجة.
المفارقة أن مناوي اختار زاوية “المظهر” بوصفها مدخلاً للنقد، وكأن السودان يقف على حافة الانهيار بسبب زيٍّ أفريقي أو طريقة ظهور. هذا النوع من الخطاب لا يضيف شيئاً للنقاش العام، بل يعكس محاولة للهروب من لبّ الموضوع: ما هو البديل الذي يقدمه؟ وما هو مشروعه لإنهاء الحرب؟
أما حديثه عن غياب القيادة، فقد جاء وكأنه يسعى لإعادة تعريف معاييرها وفق لحظة سياسية محددة. في واقع الحروب المعقدة، لا تُقاس القيادة بعدد الظهورات العلنية، بل بمدى القدرة على التأثير في مسار الأحداث، وبالتحرك السياسي والدبلوماسي الذي يفتح أبواب الحل. والزيارة الأخيرة إلى أوغندا، وما حملته من رسائل إفريقية، تؤكد أن المشهد لم يعد محصوراً في الداخل فقط، بل بات جزءاً من معادلة إقليمية أوسع.
وفي ما يتعلق بالإقرار بالاستعانة بعناصر أجنبية، فإن تحويل القضية إلى مادة للمزايدة الأخلاقية يتجاهل أن الأزمة السودانية بأكملها ظلت لسنوات متأثرة بتشابكات إقليمية معقدة. إن النقاش الجاد يجب أن يتجه نحو كيفية إنهاء هذه التشابكات، لا نحو توظيفها كسلاح خطابي في معركة سياسية.
الأخطر في تعليق مناوي هو نزعة الشخصنة التي تُحوّل الصراع الوطني إلى مواجهة أسماء. السودان لا يُختزل في “مناوي” أو “دقلو”، بل في شعب يبحث عن مخرج من حرب أنهكته. وكل خطاب يُعمّق الاستقطاب ويعيد إنتاج ثنائية “نحن” و“هم” إنما يضيف طبقة جديدة من التعقيد فوق جراح مفتوحة.
إن النقد السياسي حق مشروع، بل ضرورة في أي مشهد متحرك. لكن النقد الذي يخلو من رؤية بديلة، ويتكئ على التقليل والسخرية، يفقد أثره سريعاً. السودان اليوم بحاجة إلى خطاب يخفف الاحتقان ويطرح حلولاً عملية، لا إلى سجالات تعيد تدوير الاتهامات.
في النهاية، لن يُقاس وزن أي سياسي بحدة عباراته، بل بقدرته على تقديم مشروع متماسك يخرج البلاد من أزمتها. أما الضجيج، فيبقى ضجيجاً يعلو لحظة، ثم يخفت أمام استحقاقات الواقع.




