رأي

عيدٌ بلا فرح

سهيبة مريش

 

سهيبه مريش

يقف السودان اليوم على أعتاب عيدٍ يختلف عن كل ما عرفه من قبل؛ عيدٌ تتوارى فيه مظاهر البهجة خلف دخان الحرب، وتغيب فيه طقوس الفرح تحت وطأة النزوح والخوف وفقدان الأمان. فبينما اعتاد السودانيون استقبال العيد بقلوب عامرة بالتراحم وصِلات الأرحام، جاءت الحرب لتُربك هذا الإيقاع الإنساني، وتحوّل المناسبة إلى مساحة تأملٍ مثقلة بالحزن والأسئلة المؤجلة.

لقد أحدثت الحرب جرحًا عميقًا في تفاصيل الحياة اليومية، فلم تعد فرحة العيد كما كانت، ولم تعد البيوت عامرة باللقاءات والضحكات. انكسرت ملامح الاحتفال أمام واقع قاسٍ يفرض نفسه، حيث يجد آلاف الأسر أنفسهم بين النزوح والفقد، عاجزين عن تأمين أبسط احتياجاتهم، فضلاً عن استحضار مظاهر العيد. وهكذا، لم تكتفِ الحرب بإزهاق الأرواح، بل امتدت لتثقل الأرواح بالحزن، وتطفئ في النفوس وهج الانتظار.

وفي قلب هذا المشهد المأساوي، تبرز قيمة التكافل الاجتماعي كضرورة أخلاقية وإنسانية لا تقبل التأجيل. فالعيد في جوهره ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل هو اختبار حقيقي لمدى تماسك المجتمع وقدرته على الوقوف إلى جانب أضعف مكوناته. ومع اتساع دائرة المعاناة، يصبح لزامًا توجيه الجهود نحو الفئات الأكثر تضررًا، خاصة أولئك الذين فقدوا مصادر رزقهم أو وجدوا أنفسهم فجأة خارج دوائر الأمان والاستقرار.

وتأتي فئة الأيتام وأبناء الضحايا في مقدمة من يستحقون الرعاية والعناية. فهؤلاء لم يفقدوا فقط من يعيلهم، بل فقدوا جزءًا من الطمأنينة التي كانت تحيط بحياتهم. إن دعمهم ليس عملاً خيرياً عابرًا، بل مسؤولية مجتمعية أصيلة تفرضها قيم العدالة والوفاء. ويتجاوز هذا الدعم حدود كسوة العيد، ليشمل توفير حياة كريمة تضمن لهم التعليم والاستقرار النفسي والاجتماعي، باعتبارهم ركيزة المستقبل وأمل الغد.

وفي موازاة الجهد الإنساني، يظل الدعاء الصادق أحد أهم أشكال التمسك بالأمل في وجه هذا الواقع القاسي. فالدعاء ليس مجرد رجاء، بل تعبير عن إيمان عميق بإمكانية التغيير، واستدعاء للرحمة في زمن الشدة. إن تضرع السودانيين من أجل وقف الحرب واستعادة الأمن يمثل صوتًا جماعيًا يعكس توقًا صادقًا للحياة، وسعيًا للخروج من دائرة الألم إلى فضاء الاستقرار.

غير أن السلام المنشود لا يقتصر على توقف القتال، بل يتطلب إعادة بناء ما هدمته الحرب في النفوس قبل الجغرافيا. فالصراع لا يترك وراءه دمارًا ماديًا فحسب، بل يخلّف شروخًا عميقة في العلاقات الإنسانية، تحتاج إلى وقت وجهد لتجاوزها. ومن هنا، تبرز أهمية استعادة روح التسامح، وتغليب مصلحة الوطن على كل أشكال الانقسام، والعمل على ترميم النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل الحرب.

إن استعادة بهجة العيد تظل رهينة بعودة الإحساس بالأمان، وبقدرة المجتمع على إعادة تعريف أولوياته في ظل هذه الظروف الاستثنائية. فحين يجد المحتاج من يسنده، ويشعر المتضرر أنه ليس وحده، تتجدد بذور الأمل، ولو في أبسط صورها. وهنا، يقع على عاتق المؤسسات والمنظمات والأفراد دور محوري في إطلاق مبادرات إنسانية منظمة، تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، بروح من المسؤولية والشفافية.

في الختام، يظل العيد، رغم كل شيء، فرصة لإحياء القيم التي لا تُهزم بالحروب؛ قيم التضامن، والرحمة، والإيمان بالمستقبل. وبينما تثقل الجراح واقع السودان، يبقى الأمل قائمًا في أن تنطفئ نار الحرب، وتعود للحياة إيقاعاتها الطبيعية، وتستعيد القلوب قدرتها على الفرح. فالعيد الحقيقي لن يكتمل إلا بسلامٍ يعم البلاد، وعدالةٍ تداوي الجراح، ووطنٍ يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!