
المستشار محمد حسين
يمثّل قرار تعيين المجلس العدلي بحكومة التأسيس تحولاً نوعياً في مسار بناء الدولة السودانية الحديثة، إذ لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري عابر، بل كخطوة استراتيجية تستهدف معالجة اختلالات عميقة في بنية النظام العدلي، طالما انعكست سلباً على حياة المواطنين وثقتهم في مؤسسات الدولة.
تنبع أهمية هذا القرار من كونه يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على إعادة الاعتبار لمبدأ الفصل بين السلطات، وهو المبدأ الذي ظل غائباً أو مشوّهاً في تجارب الحكم السابقة. فالانتقال من نموذج يتركّز فيه القرار العدلي في يد السلطة التنفيذية إلى مجلس عدلي مستقل، يعد نقلة مؤسسية تعزز استقلال القضاء وتحصّنه من التدخلات، بما يرسّخ دعائم الحكم الراشد ويضع الأساس لدولة القانون.
كما يفتح تشكيل المجلس العدلي الباب أمام تفعيل حقيقي لمبدأ سيادة القانون، من خلال إرساء آليات مؤسسية للمحاسبة تمنع الإفلات من العقاب. فوجود جهاز عدلي مستقل وقادر يعني أن القانون لن يبقى نصوصاً جامدة، بل سيتحول إلى أداة فاعلة لحماية الحقوق، وضمان المساواة بين المواطنين دون تمييز، وهو ما يشكّل ركيزة أساسية لأي مجتمع يسعى إلى العدالة والاستقرار.
وفي سياق أوسع، فإن هذه الخطوة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسارات السلام في السودان، إذ لا يمكن الحديث عن سلام مستدام دون منظومة عدلية موثوقة. فالعدالة ليست فقط مطلباً قانونياً، بل هي شرط اجتماعي وسياسي لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، ومعالجة آثار النزاعات، وتهيئة البيئة المناسبة للمصالحة الوطنية.
كذلك يعكس القرار توجهاً جاداً نحو الإصلاح المؤسسي، حيث يُتوقع أن يسهم المجلس العدلي في تطوير أداء الأجهزة القضائية، وتسريع إجراءات التقاضي، وتقليل التراكم في القضايا، إلى جانب ترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة في العمل العدلي، بما يقدّم نموذجاً جديداً في إدارة العدالة.
لقد جاء هذا التعيين بعد فراغٍ مؤسسي طويل أثّر بشكل مباشر على كفاءة النظام القضائي، الأمر الذي يجعل من هذه الخطوة بارقة أمل حقيقية في استعادة هيبة القانون. إنها رسالة واضحة بأن الدولة ماضية في طريق الإصلاح، وأن العدالة ستكون في صدارة أولوياتها، بما يفتح آفاقاً جديدة لمستقبل يستند إلى سيادة القانون وصون الحقوق.




