كتائب الكيزان الناعمة – هشام ود قلبا (نموذجا) الحرب النفسية تحت قناع “الحياد” ونهاية أسطورة “المدنية” الانتقائية
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفي ماكن
في معارك التحرر الكبرى، لا تقتصر جبهات القتال على المدافع والخنادق، بل تمتد لتشمل ساحات العقول والإدراك. وفي السودان اليوم، بينما تخوض قوى التغيير “التأسيسي” معركة وجودية ضد إرث “دولة 56″، لوقف مسلسل جرائمها المستمرة منذ أكثر من 7 عقود, تبرز إلى السطح أخطر كتائب النظام القديم: “الكتائب الناعمة” أو ما يُمكن تسميتهم بـ “الضبابيين”.
هؤلاء (الناعمون) لا يحملون البنادق، بل يحملون أقلاماً ومصطلحات براقة مثل “الحياد” و”المدنية”، يستخدمونها كأدوات للحرب النفسية (Psychological Warfare) لحماية ظهر الجلاد وشيطنة الضحية.
لكي نفهم كيف تعمل هذه الماكينة الخبيثة، نضع اليوم منشوراً للناشط “هشام ود قلبا” تحت مشرط التحليل.
النص الذي هاجم فيه هذا الناشط تحالف (صمود) لمجرد إصداره بيان نعي لقيادي في تحالف (تأسيس) – والذي اغتيل بمسيرة “بيرقدار” تابعة للجيش في مدينة نيالا – يمثل عينة مخبرية مثالية لشرح آليات “هندسة الهزيمة” التي يمارسها الضبابيون. و قد تناولنا تلك الآليات النفسية بالتفصيل في فصل كامل من كتابنا ( سودان جديد – نفسياً – من هندسة الهزيمة إلى الشفاء الجذري)، تحت الطبع.
1- آلية احتكار “المدنية” ونزع الشرعية (سيكولوجية التماثل الزائف)
في نصه، يقول ود قلبا: “الزول البختار يقيف تحت ضل دبابة ومسيرة بتنتفي عنه صفة المدنية.. تحالف تأسيس تحالف عسكري كامل الدسم”.
هنا يستخدم الكاتب أداة تسمى “التماثل الزائف”. فهو يسعى لنزع الشرعية السياسية عن قوى الهامش، وتصوير تحالف (تأسيس) كمجرد “مليشيا” أو “عصابة” لا يحق لأي كيان مدني التعامل معها أو حتى تعزية قادتها.
أين الخدعة النفسية؟ الخدعة هي أن هذا “المحايد” لا يطبق المعيار ذاته على الجيش! فالأحزاب والفلول التي تقف اليوم تحت ظل “طيران الأنتونوف” الذي يبيد القرى في الغرب، لا تُسقط عنهم صفة المدنية في قاموسه.
المدنية عند الضبابيين هي: “أن تعارض بندقية الهامش، وتغض الطرف عن براميل المركز المتفجرة”.
2- آلية الابتزاز العاطفي (القرصنة باسم الشعب)
يقول ود قلبا لـ (صمود): “بيانكم آذى ملايين السودانيين.. ووسع الهوة بينكم وبين الناس”.
هذا ما يُعرف في علم النفس السياسي بـ “الابتزاز العاطفي”. الكاتب ينصب نفسه متحدثاً حصرياً باسم “الملايين”، ليمارس ضغطاً سيكولوجياً ويرهب قيادة (صمود). الهدف هو إشعارهم بـ “الذنب الأخلاقي” لكسرهم جدار العزلة المضروب حول (تأسيس) في (ذهنه). يتناسى الكاتب عمداً أن الملايين الحقيقيين في نيالا والضعين وكردفان يُقصفون يومياً بمسيرات الجيش، لكن دماءهم لا تثير “أذى” في مشاعر النخبة الضبابية. و يتناسى الكاتب أيضا أن الجيش هو الذي يرفض وقف الحرب و يرفض الحكم المدني الفيدرالي و يرفض تسليم قادته المطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية بسبب جرائم حرب و جرائم ضد الانسانية.
3- آلية زرع الفتنة وتفكيك الكيانات (Divide and Conquer)
لم يكتفِ الكاتب بالهجوم من الخارج، بل حاول تفخيخ تحالف (صمود) من الداخل قائلاً: “وضح أن في كيانات وأشخاص داخل صمود غير راضين.. بيانكم من أفعال الشللية والمجاملة”.
هذه استراتيجية مخابراتية كلاسيكية.
عندما تفشل الدولة العميقة في منع تقارب كيانين، تلجأ فوراً لضرب أسفين بين القيادة والقواعد. رسالة ود قلبا هنا ليست نصيحة، بل هي “إشارة مرور” للمترددين داخل (صمود) للتمرد على قيادتهم، وتصوير قرار النعي المؤسسي بأنه اختطاف “شللي”، بهدف إجهاض أي تطور في العلاقات السياسية بين القوى الرافضة لدولة 56.
4- آلية قلب الحقائق الجنائية (عقلنة الشر)
يصل التزييف ذروته عندما يقول: “تنعى زول بقتل المدنيين ومسيراته بتقصف المستشفيات”.
هنا يتم استخدام آلية “الانعكاس” (Projection). القيادي المذكور الشهيد اسامة حسن حسين، اغتيل بمسيرة “بيرقدار” تابعة للجيش، والجيش هو من يدمر البنية التحتية في المدن المكتظة بالنازحين. ومع ذلك، يعكس ود قلبا الآية تماماً، متهماً الضحية بذات الجريمة التي يرتكبها الجلاد، ليغسل يدي “دولة 56” من الدماء ويحرق ورقة الحياد في وجه (صمود).
الخلاصة سقوط قناع “الكتائب الناعمة”
رسالة هشام ود قلبا ليست دفاعاً عن المدنية، بل هي دفاع مستميت عن “المشروعية الحصرية للمركز” و لدولة 56. إن رعب “كتيبة الكيزان الناعمة” لا ينبع من البندقية، بل ينبع من فكرة أن يحظى تحالف (تأسيس) باعتراف سياسي وأخلاقي من كيانات مدنية أخرى مثل (صمود).
إن هذا الخطاب المليء بالابتزاز يضعنا أمام حقيقة واحدة: في معركة تفكيك دولة الأبارتهايد، لا يوجد حياد.
الحياد الذي يتغاضى عن جرائم طيران الجيش، ويستأسد فقط لشيطنة خصومه، هو خيانة صريحة.
وهؤلاء الضبابيون ليسوا سوى جنود في جيش النظام القديم، يرتدون “الكرفتات” بدلاً من “الكاكي”.
لقد ولى زمن استغفال العقول، وثورة الوعي مستمرة في إسقاط الأقنعة.. قناعاً تلو الآخر.
الحياد هو المنطقة الرمادية التي تدفن فيها دولة 56 ضحاياها بصمت.




