رأي

دارفور ووقود الحرب: كيف أسهمت الحركة الإسلامية في إعادة إنتاج الصراع في الإقليم؟

د.ايلاف وداعة

 

د. إيلاف وداعه

لم تكن الأزمة التي تتفاقم اليوم في إقليم دارفور وليدة حرب الخامس عشر من أبريل 2023، بل هي امتداد لمسار طويل من السياسات التي كرّست التهميش وأعادت إنتاج الصراع عبر أدوات متعددة. وفي قلب هذا المسار، يبرز دور التيار المرتبط بالحركة الإسلامية في السلطة المركزية، بوصفه أحد العوامل التي أسهمت في تعقيد الأزمة وتحويلها إلى دائرة عنف متكررة.

شهد دارفور واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخ السودان الحديث منذ اندلاع التمرد المسلح، حين رفعت الحركات مطالب واضحة تتعلق بالمساواة وإنهاء التهميش. غير أن الاستجابة المركزية لم تتجه نحو معالجة جذور الأزمة، بل اعتمدت على مقاربات أمنية وتحالفات ظرفية، ساهمت في تعميق الانقسامات الاجتماعية، وتغذية النزاعات القبلية، ضمن سياسات اتُهمت مرارًا بأنها تقوم على مبدأ “فرّق تسد”.

ورغم توقيع عدد من الاتفاقيات، ظلت جذور الأزمة قائمة، إذ ركزت تلك الاتفاقيات في كثير من الأحيان على تقاسم السلطة والمناصب، دون معالجة حقيقية للمظالم الاجتماعية والاقتصادية أو بناء الثقة بين المكونات. كما غابت الإرادة السياسية لتنفيذ استحقاقات العدالة الانتقالية، ما أبقى الجراح مفتوحة وأعاد إنتاج أسباب الصراع.

عقب سقوط نظام الرئيس السابق، ساد أمل بأن دارفور مقبلة على مرحلة جديدة من المصالحة، غير أن هذا الأمل تراجع مع عودة التوترات القبلية وتصاعد العنف، في مؤشر واضح على أن الأزمة لم تُحل، بل تم تأجيلها.

ومع اندلاع حرب أبريل 2023، بدا أن الإقليم أُعيد إلى واجهة الصراع بصورة أكثر تعقيدًا. فقد تحوّلت بؤر النزاع من المركز إلى الأطراف، واستُدعيت أدوات الصراع القديمة من تعبئة قبلية وعرقية، لتغذية مواجهات دامية، كما حدث في مدن عدة، أبرزها الجنينة، التي شهدت أحداثًا مأساوية أعادت إلى الأذهان مشاهد الماضي القريب.

وفي تطور لافت، تم استقطاب بعض الحركات المسلحة التي كانت في حالة حياد، وإدخالها مجددًا في دائرة الصراع، في خطوة رأى فيها مراقبون محاولة لإعادة توجيه النزاع نحو دارفور، بما يخفف الضغط عن مراكز النفوذ التقليدية. وقد تزامن ذلك مع تعثر المبادرات الساعية إلى وقف إطلاق النار، سواء عبر منابر إقليمية أو جهود محلية، مثل المبادرات التي دعت إلى تحييد مدينة الفاشر، والتي انتهت إلى تصعيد عسكري وأحداث دامية.

نتيجة لذلك، تحوّل الإقليم مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة للعنف، حيث يدور القتال بين أطراف ينتمي معظم مقاتليها إلى دارفور نفسها، في مشهد يعمّق المأساة الإنسانية، ويعيد إنتاج الانقسامات الاجتماعية. وأصبح المواطن الدارفوري عالقًا بين قوى متنازعة، يدفع ثمن صراع لا يملك فيه قرارًا.

اليوم، تُعد دارفور واحدة من أكبر بؤر الكوارث الإنسانية في القارة الإفريقية، حيث يعيش ملايين النازحين في ظروف قاسية، وسط تدهور الخدمات الأساسية وتفكك النسيج الاجتماعي. كما أدت الانقسامات الإثنية إلى إضعاف الثقة بين المكونات المحلية، ما يهدد بإطالة أمد الصراع وتعقيد فرص التسوية.

إن قراءة هذا المشهد تُظهر أن الأزمة لم تعد مجرد نزاع عسكري، بل نتيجة بنية سياسية مختلة، لعبت فيها السلطة المركزية، خلال فترات مختلفة، دورًا في إدارة الصراع بدلًا من حله. وفي هذا السياق، تبرز اتهامات متزايدة بأن التيار المرتبط بالحركة الإسلامية أسهم في ترسيخ هذه المعادلة، من خلال توظيف الصراعات المحلية لخدمة أهداف سياسية، ما أدى إلى تحويل إنسان دارفور إلى وقود دائم في معارك متجددة.

معالجة هذه الأزمة تتطلب أكثر من وقف لإطلاق النار. فهي تستدعي إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، تقوم على العدالة والمساواة واحترام التعدد، إلى جانب بناء مؤسسات وطنية فاعلة تعكس إرادة جميع السودانيين.

ويظل بناء جيش وطني موحد، بعيدًا عن الولاءات الضيقة، خطوة أساسية نحو استعادة الاستقرار، إلى جانب إطلاق عملية عدالة انتقالية شاملة، تضمن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإنصاف الضحايا، ووضع حد لثقافة الإفلات من العقاب.

لقد أثبتت التجربة أن إدارة الأزمات عبر الأدوات القديمة لا تنتج إلا مزيدًا من العنف. وفي ظل هذا الواقع، يبقى الأمل معقودًا على إرادة وطنية صادقة، تدرك أن استمرار هذا المسار يعني خسارة الجميع.

فدارفور لا تحتاج فقط إلى نهاية للحرب، بل إلى بداية مختلفة… بداية تُنهي عقودًا من التهميش، وتعيد الاعتبار للإنسان، وتضع حدًا لتحويله إلى وقود في صراعات لا تنتهي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!