
د. إيلاف وداعة
في المشهد السوداني الراهن، تبدو دارفور مرة أخرى ساحةً مكثفة لتجليات السياسة في أكثر صورها تعقيدًا، حيث تتقاطع المصالح وتتناقض السرديات، وتُعاد صياغة التحالفات وفق إيقاع القوة لا وفق ثبات المبادئ. وفي قلب هذا المشهد، يبرز تحالفٌ لافت بين مني أركو مناوي وموسى هلال، كأحد أبرز تجليات التحولات السياسية التي فرضتها الحرب، وكمؤشر على طبيعة المرحلة التي تتراجع فيها الثوابت أمام ضرورات البقاء.
لطالما شكّلت القبيلة في السودان، ودارفور على وجه الخصوص، بنيةً اجتماعية مزدوجة الوظيفة؛ فهي من جهة إطار للحماية والانتماء، ومن جهة أخرى أداة قابلة للتسييس والتوظيف ضمن صراعات السلطة. وقد أدارت النخبة الحاكمة في المركز، منذ حقبة الإنقاذ، هذه المعادلة بقدرٍ عالٍ من البراغماتية، حيث جرى تسليح المكونات المحلية وتوجيهها بما يخدم توازنات الحكم، دون اعتبارٍ حقيقي لتداعيات ذلك على النسيج الاجتماعي.
ومع اندلاع حرب أبريل 2023، وانتقال مركز القرار إلى بورتسودان، لم يتغير هذا النهج بقدر ما أُعيد إنتاجه بأدوات جديدة ووجوه مألوفة. فالقادة الذين تصدروا مشهد الصراع منذ 2003 عادوا إلى الواجهة، لكن ضمن تحالفات مختلفة، تعكس إعادة ترتيب أولوياتهم في ظل واقع متغير.
في هذا السياق، يبرز مسار مني أركو مناوي بوصفه نموذجًا لتحولات النخبة المسلحة في دارفور. فمن موقعه كقائد لحركة متمردة، إلى توقيعه اتفاق أبوجا 2006، ثم اندماجه في بنية السلطة المركزية، وصولًا إلى عودته عبر اتفاق جوبا للسلام بعد ثورة ديسمبر، ظل مناوي يتحرك ضمن مساحة معقدة بين التمثيل السياسي والمشاركة في السلطة. غير أن هذه التحولات، على أهميتها، لم تنعكس بشكل ملموس على أوضاع المجتمعات المحلية، التي ظلت تعاني من النزوح وانعدام الاستقرار.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة، وجد مناوي نفسه أمام اختبار حاسم لدوره السياسي والعسكري. فبعد فترة من الحياد النسبي، انتهى إلى الانخراط في الصراع إلى جانب الجيش، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع باعتبارها محاولة للحفاظ على موقعه السياسي في مواجهة تمدد قوات الدعم السريع، التي باتت تشكل تهديدًا مباشرًا لتوازنات السلطة في الإقليم.
في المقابل، يمثل موسى هلال حالة مختلفة في الشكل، متشابهة في الجوهر. فقد ارتبط اسمه بدور المليشيات المحلية في صراع دارفور منذ بداياته، قبل أن يدخل في صدام مع المركز نفسه الذي صعد عبره، ليجد نفسه لاحقًا ضحية لذات المنظومة التي كان جزءًا منها. وبعد خروجه من السجن في أعقاب ثورة ديسمبر، عاد إلى المشهد السياسي محاطًا بإرث ثقيل من التعقيدات، وبطموح لاستعادة موقعه داخل المعادلة القبلية والسياسية.
اللافت في المرحلة الحالية هو تقاطع مساري الرجلين في نقطة واحدة، رغم تاريخ طويل من التناقض والصراع غير المباشر. فهذا التحالف، الذي كان من الصعب تخيله قبل سنوات، لا يستند إلى مشروع سياسي جامع، بقدر ما يقوم على تقاطع مصالح آنية، فرضتها موازين القوة الجديدة. إذ يرى هلال في صعود الدعم السريع تهديدًا مباشرًا لنفوذه التقليدي داخل المكونات العربية، بينما ينظر مناوي إلى ذات الصعود بوصفه خطرًا على موقعه السياسي كحاكم للإقليم.
ومن هنا، يلتقي الطرفان تحت مظلة دعم الجيش، ليس بالضرورة كخيار استراتيجي طويل الأمد، بل كتكتيك مرحلي يهدف إلى إعادة ضبط موازين القوة ومنع انفراد طرف واحد بالسيطرة على دارفور.
غير أن هذا التحالف، رغم زخمه الإعلامي، يظل محاطًا بتحديات عميقة. أولها إرث الصراع والذاكرة الجمعية، التي لا تزال تحتفظ بصور دامية من المواجهات السابقة، ما يجعل من الصعب بناء ثقة حقيقية على مستوى القواعد الاجتماعية. وثانيها التباين الجوهري في الرؤى السياسية، حيث ينتمي مناوي إلى تقاليد الحركات المسلحة ذات الخطاب التغييري، بينما يرتكز مشروع هلال على بنية قبلية تسعى لاستعادة نفوذها التاريخي.
إلى جانب ذلك، تفرض المعطيات الميدانية قيودًا إضافية، في ظل سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من دارفور، وهو ما يحد من فعالية أي تحرك عسكري مشترك، ويجعل من التنسيق الميداني تحديًا بالغ التعقيد.
في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا التحالف بمعزل عن السياق العام للحرب، التي أعادت تشكيل الخريطة السياسية في السودان على أسس أكثر هشاشة. فهو تحالف تحكمه الضرورة أكثر مما توجهه القناعة، وتجمعه الحسابات الآنية أكثر مما توحده الرؤى الاستراتيجية.
وبين تحالفات تتشكل تحت ضغط اللحظة، ومجتمعات تدفع ثمن الصراع، يبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل دارفور:
هل تنجح هذه الترتيبات في إنتاج توازن مستقر، أم أنها مجرد فصل جديد في دورة الصراع الممتد؟
الإجابة، كما يبدو، لا تزال مؤجلة… على وقع واقعٍ لم يحسم خياراته بعد.



