
نفيسة حجر
عندما تضيق الخيارات أمام السلطات، وتتراكم الإخفاقات في الميدان، وتشتد عليها العزلة السياسية والدبلوماسية، فإنها تلجأ غالباً إلى صناعة معارك جانبية تصرف بها الأنظار عن جوهر الأزمة. ومن هذا الباب يمكن قراءة قوائم الملاحقة الأخيرة التي ضمت أسماء كُتّاب وصحفيين وحقوقيين، بوصفها محاولة مكشوفة لصناعة ضجيج بديل عن واقع أكثر إيلاماً.
إن توقيت هذه القوائم لا يبدو منفصلاً عن التطورات العسكرية في محاور كردفان، ولا عن الأثر السياسي الذي أحدثه مؤتمر برلين، والذي وضع الأزمة السودانية في دائرة اهتمام دولي واسع، وفتح الباب أمام نقاشات جادة بشأن مستقبل البلاد وسبل إنهاء الحرب. وفي ظل هذه المتغيرات، بدا واضحاً أن هناك من أراد استبدال النقاش الوطني الحقيقي بمعركة مصطنعة عنوانها ملاحقة الأصوات الناقدة.
ليست القضية في أسماء وردت هنا أو هناك، وإنما في الفكرة ذاتها؛ فكرة تحويل الدولة من مؤسسة تُعالج أزماتها بالحكمة والقانون إلى سلطة تستهلك وقتها في مطاردة الرأي المختلف. فبدلاً من مواجهة أسباب التراجع، يجري البحث عن خصوم مدنيين، وبدلاً من مراجعة الأخطاء، تُرفع شعارات التخوين والتخويف.
إن أخطر ما في هذه الممارسات أنها تحاول تحويل الشهود على الوقائع إلى متهمين، وتحويل من يوثقون الانتهاكات ويطالبون بالإصلاح إلى أهداف لحملات الترهيب. وهي سياسة قد تمنح أصحابها ضجيجاً مؤقتاً، لكنها لا تمنحهم شرعية، ولا تصنع استقراراً، ولا تعالج أزمة وطن يئن تحت وطأة الحرب والانقسام.
وبصفتي قانونية وحقوقية، أؤمن أن مؤسسات العدالة لا ينبغي أن تُستخدم أدواتٍ للصراع السياسي أو لتصفية الحسابات مع أصحاب الأقلام الحرة. فالنيابة والقضاء وُجدا لحماية الحقوق، لا لتكميم الأفواه، ولإرساء العدل، لا لصناعة الخوف.
إن هذه القوائم لن تداوي جراح الميدان، ولن ترفع عزلة سياسية، ولن تمحو حقائق باتت معروفة للرأي العام. وما يُبنى على الترهيب ينهار أمام أول اختبار للحقيقة.
آخر قولي
أسماؤنا في قوائمكم ليست عبئاً علينا، بل شهادة بأن الكلمة الحرة ما زالت تقلق من يخشى الضوء. فالحقيقة لا تُعتقل، والرأي لا يُصادر، وصوت العدالة أبقى من كل قوائم التخويف.



