رأي

من دارفور إلى بقية ولايات السودان: كيف أعاد الإفلات من العقاب إنتاج آلة القتل؟

يعقوب التجاني المحامي

 

يعقوب التجاني المحامي 

لم يكن المشهد المصوَّر الذي جرى تداوله أمس خلال زيارة الوالي برفقة لجنته الأمنية إلى ما وُصف بوحدة “الذباحين” حدثاً عابراً أو مفاجئاً في سياق الأزمة السودانية، بل بدا امتداداً منطقياً لمسار طويل من غياب العدالة والإفلات من العقاب؛ ذلك المسار الذي بدأ في إقليم دارفور، حين ارتُكبت انتهاكات جسيمة دون أن تنال المحاسبة المستحقة حتى اليوم.

إن ما يشهده السودان حالياً لا يمكن وصفه بأنه انحراف طارئ أو سلوك منفصل عن الماضي، بل هو عودة واضحة إلى أنماط عنف قديمة أُعيد إنتاجها في ظل غياب المساءلة، واستمرار البنى السياسية والأمنية التي ترسخت خلال عقود حكم النظام السابق بقيادة عمر حسن أحمد البشير.

دارفور: الجريمة التي لم تُغلق ملفاتها

منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار (1593) لعام 2005، صدرت مذكرات توقيف بحق عدد من كبار المسؤولين، بينهم الرئيس السابق عمر البشير، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.

غير أن المتهمين ظلوا طلقاء لسنوات طويلة، في مشهد مثّل تحدياً صريحاً للقانون الدولي، وكشف هشاشة الإرادة الدولية في تنفيذ قراراتها. ولم يكن ذلك مجرد إخفاق إجرائي، بل حمل رسالة سياسية خطيرة مفادها أن الجرائم الكبرى يمكن أن تمر دون عقاب إذا توفرت الحماية السياسية الكافية.

استمرارية أدوات العنف

المشاهد المتداولة اليوم تعكس، في جوهرها، السمات ذاتها التي وثقتها تقارير سابقة بشأن انتهاكات شهدتها دارفور ومناطق أخرى من السودان. هذا التشابه لا يبدو عرضياً، بل يكشف عن استمرارية بنيوية في أدوات القمع والعنف.

فبدلاً من تفكيك المنظومات التي أنتجت المأساة الأولى، جرى تدويرها وإعادة استخدامها في سياق الحرب الحالية، بما يؤكد أن تجاهل العدالة لا يطوي صفحات الجرائم، بل يسمح لها بالتحول إلى نمط متجدد.

الإفلات من العقاب كسياسة غير معلنة

الأزمة في السودان لا تكمن في نقص النصوص القانونية الدولية، فالقواعد المنصوص عليها في نظام روما الأساسي واتفاقيات جنيف وغيرها واضحة وصريحة، وإنما تكمن في ضعف التنفيذ وازدواجية المعايير.

لقد أتاح هذا التراخي نشوء ما يمكن وصفه بـ”الاقتصاد السياسي للإفلات من العقاب”، حيث تُدار السلطة أحياناً دون خوف من المساءلة، ويُنظر إلى القوة باعتبارها بديلاً عن القانون.

والمساءلة الحقيقية لا ينبغي أن تقتصر على المنفذين المباشرين، بل يجب أن تمتد إلى القيادات السياسية والعسكرية وكل من أمر أو خطط أو وفر الغطاء لهذه الانتهاكات.

 

الدرس الذي يجب استيعابه

تجربة السودان تقدم درساً بالغ الوضوح: العدالة المؤجلة ليست عدالة ناقصة فحسب، بل قد تتحول إلى وقود لجرائم لاحقة.

فلو جرى تنفيذ أوامر القبض ومحاسبة المسؤولين في التوقيت المناسب، لكان من الممكن ردع الفاعلين الحاليين، وتفكيك شبكات العنف، ومنع إعادة إنتاج المأساة. لكن الذي حدث هو العكس تماماً؛ إذ تحولت السابقة غير المعاقبة إلى نموذج يُحتذى.

خاتمة: هل يتكرر الفشل مرة أخرى؟

يقف المجتمع الدولي اليوم أمام اختبار جديد: إما أن يُفعّل آليات المساءلة بصورة جادة وحاسمة، أو يترك السودان يواصل الدوران في الحلقة ذاتها، حيث تتكرر المأساة من دارفور إلى كردفان، ومن الأطراف إلى بقية الولايات.

فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الجرائم قد ارتُكبت، بل ما إذا كان العالم سيكرر الصمت ذاته الذي حوّل دارفور إلى جرح مفتوح، وها هو اليوم ينزف في أنحاء السودان كافة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!