
صالح السليمي

أثار العرض المسرحي الذي قدّمه الممثل محمد عبدالله حالة من الذهول والاستغراب في أوساط الجمهور السوداني ومحبي الفنون المسرحية، لا بسبب جرأة فنية خلاقة أو طرح نقدي عميق، بل لأن ما قُدِّم بدا وكأنه انقلاب على جوهر المسرح نفسه. فقد اختار محمد عبدالله أن يقف أمام صورة جدارية لرئيس السلطة في بورتسودان، ويشن هجومًا حادًا على مفاهيم الحرية والنظم الديمقراطية، مصورًا إياها بوصفها مرادفًا للفوضى والانحلال والتفسخ الاجتماعي. هذا الطرح، في حد ذاته، لا يمثل مجرد رأي فني قابل للنقاش، بل يكشف عن انزلاق خطير في فهم الدور التاريخي والأخلاقي للمسرح.
المسرح، في نشأته وتطوره، لم يكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه السطحي، ولا أداة لتزيين الواقع أو تبرير القمع. بل كان، في أعمق تجلياته، منصة للمساءلة، وفضاءً لكشف الزيف، ومنبرًا للدفاع عن الإنسان في مواجهة الاستبداد. لقد ارتبطت الفنون المسرحية عبر التاريخ بالصراع من أجل الحرية، وبالانحياز الواضح لقضايا الشعوب، لا للسلطات التي تكبتها. ومن هنا، فإن تحويل المسرح إلى أداة لتمجيد الأنظمة الشمولية أو لتشويه قيم الحرية لا يمكن اعتباره اجتهادًا فنّيًا بريئًا، بل انحرافًا عن رسالته الأصيلة.
وليس من قبيل المصادفة أن نجد كبار رواد المسرح العالمي قد وقفوا، في محطات مفصلية، في مواجهة الأنظمة القمعية. فقد طوّر المسرحي الألماني برتولت بريخت أسلوب “المسرح الملحمي” ليكسر حالة الاندماج العاطفي الساذج، ويدفع الجمهور إلى التفكير النقدي، كاشفًا زيف الدعاية الشمولية ومآلاتها الكارثية. وفي البرازيل، حوّل أوغوستو بوال المسرح إلى أداة تحرر مباشر عبر “مسرح المقهورين”، حيث لم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في صناعة الفعل والتغيير.
أما في تشيكوسلوفاكيا، فقد استخدم فاتسلاف هافيل المسرح لفضح عبثية النظام الشيوعي وقمعه، في نصوص كشفت كيف يمكن للبيروقراطية أن تتحول إلى آلة لسحق الإنسان. ولم يكن غريبًا أن ينتقل لاحقًا من خشبة المسرح إلى قيادة الدولة بعد سقوط النظام، في دلالة رمزية على قوة الكلمة حين تقترن بالموقف. وفي جنوب أفريقيا، لعب المسرح دورًا محوريًا في مواجهة نظام الفصل العنصري، حيث تحولت النصوص والعروض إلى أدوات تعبئة وكشف، تفضح التمييز وتؤسس لوعي جماعي مقاوم. كذلك الحال في أمريكا اللاتينية، حيث لجأت الفرق المسرحية إلى الرمزية لتجاوز الرقابة، مقدمة أعمالًا جريئة تناولت التعذيب والعدالة والذاكرة الجماعية.
هذه النماذج لا تُستدعى للتفاخر الثقافي، بل لتأكيد حقيقة جوهرية: أن المسرح، حين يكون وفيًا لذاته، يقف في صف الحرية، ويمنح صوتًا لمن لا صوت لهم، ويكسر جدار الخوف الذي تبنيه الأنظمة القمعية حول الشعوب. إنه أداة لكشف الحقيقة لا لحجبها، ولتحفيز الوعي لا لتخديره.
من هذا المنظور، يصبح ما قدّمه محمد عبدالله محل تساؤل عميق: هل نحن أمام تجربة فنية تطرح رؤية نقدية متماسكة، أم أمام خطاب يبرر الاستبداد تحت غطاء المسرح؟ إن تصوير الحرية بوصفها فوضى، والديمقراطية كمدخل للانحلال، لا يعكس قراءة موضوعية للواقع، بل يعيد إنتاج خطاب سلطوي تقليدي طالما استخدم لتخويف الشعوب من حقوقها الأساسية. الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب، حين يصدر من على خشبة المسرح، يكتسب شرعية ثقافية زائفة، توهم الجمهور بأنه تعبير فني، بينما هو في جوهره ترويج لرؤية تقمع الإنسان.
وهنا تتضح المفارقة لأن المأساة الحقيقية ليست في المسرح، لأن المسرح، كفن، أوسع وأعمق من أن يُختزل في عرض واحد أو خطاب عابر. المأساة تكمن في الممثل نفسه، الذي اختار – عن وعي أو بدونه – أن يضع فنه في خدمة خطاب يناقض جوهر المهنة التي ينتمي إليها. لقد تنكب الطريق، وابتعد عن الدور الذي يفترض أن يضطلع به الفنان بوصفه ضميرًا حيًا لمجتمعه.
إن الفنان، بحكم موقعه، لا يملك رفاهية الحياد حين يتعلق الأمر بقضايا الحرية والكرامة الإنسانية. فإما أن يكون شاهدًا على الحقيقة، أو شريكًا في تزييفها. والمسرح، تحديدًا، لا يحتمل هذا الالتباس؛ لأنه فن المواجهة المباشرة، وفن السؤال المقلق، لا فن التبرير والتسويغ.
في النهاية، سيظل المسرح فضاءً مفتوحًا لتطلعات الشعوب نحو الحرية والسلام والاستقرار، مهما حاول البعض توظيفه في الاتجاه المعاكس. أما من يختار أن يجعل منه منبرًا لتمجيد القمع، فإنه لا يسيء إلى المسرح بقدر ما يكشف حدود رؤيته هو، ويضع نفسه في مواجهة تاريخ طويل من الفن الذي انحاز للإنسان. وهنا، تتجلى الحقيقة بوضوح: ليست هذه مأساة المسرح، بل مأساة الممثل محمد عبدالله نفسه، سواء أدرك ذلك أم ظل غافلًا عنه.



