
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
حادثة مقتل الشابة “مهيرة” في الدروشاب ليست جريمة شغف.
هي ليست واقعة منفصلة ولا يمكن التعامل معها كحادثة عاطفية انتهت بانفعال لحظي.
هي انعكاس مباشر لواقع أوسع فيه السلاح خرج من احتكار الدولة ودخل إلى مجتمع يعيش حالة شحن وتوتر دون أدوات ضبط كافية ودون مسافة آمنة بين الغضب وقرار القتل.
خلاف عاطفي بسيط في جوهره تحول إلى قتل ليس لأن الخلاف جديد بل لأن أداة الحسم أصبحت موجودة وممكنة وقابلة للاستخدام داخل الحياة اليومية.
في بداية الحرب طرحت تحذيرات داخل المؤسسة العسكرية من خطورة تسليح المستنفرين خارج إطار الانضباط الصارم وأن هذا المسار قد يؤدي إلى انتقال السلاح من الجبهة إلى المجتمع.
لكن مع اتساع الحرب وتعدد مراكز القرار تتراجع تدريجيًا الأصوات التي كانت تحذر من مخاطر تسليح المستنفرين ليس بالضرورة لأنها أُقصيت عمدًا بل لأن منطق الحرب نفسه يهمش أي رؤية تنظيمية لصالح الضرورة الميدانية حتى تفقد قدرتها على التأثير أو التنفيذ وتبقى الفجوة مفتوحة بين التحذير والواقع.
الفريق شمس الدين كباشي ضمن هذا السياق كان من الأصوات التي نُسب إليها التحذير من اتساع دائرة التسليح خارج السيطرة المؤسسية.
لكن هذه التحذيرات لم تعد تمتلك قوة التنفيذ أو الإلزام داخل المشهد الحالي مع تداخل مراكز القرار واتساع رقعة الحرب وتراجع القدرة الفعلية على ضبط تدفق السلاح وتنظيم استخدامه.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
ليست في الفكرة بل في الفجوة بين القرار والتطبيق.
السلاح الذي وُزع في سياق استثنائي لم يعد محصورًا في ساحات القتال.
دخل البيوت والعلاقات الاجتماعية والنزاعات الشخصية.
ومع دخوله تغيرت قواعد إدارة الخلاف.
الرفض العاطفي لم يعد يُقرأ كرفض بل كاستفزاز.
والخلاف الاجتماعي لم يعد يُدار بل يُحسم.
في مثل هذا السياق لا يعود ميزان القانون هو الحاكم بل ميزان القدرة على الإيذاء الفوري.
وتبدأ العدالة في الانزياح من المؤسسات إلى لحظة الانفعال.
التجارب الدولية واضحة في هذا الملف.
في رواندا وسيراليون والبوسنة كان الدرس المركزي بعد الحروب الأهلية أن أي سلاح خارج احتكار الدولة يعني إعادة إنتاج العنف داخل المجتمع نفسه حتى بعد توقف القتال.
لذلك كانت الأولوية دائمًا هي استعادة مركزية القرار الأمني لا ترك السلاح يتوزع كأمر واقع.
المشكلة في الحالة الحالية أن جزءًا من أدوات القوة خرج من مركز القرار الفعلي وبات موزعًا على نطاق واسع مع صعوبة ضبطه أو سحبه بالكامل في المدى القريب.
وهذا يعني أن الخطر لم يعد عسكريًا فقط بل اجتماعيًا يوميًا يتسلل إلى تفاصيل العلاقات الإنسانية ويعيد تشكيل طريقة التفكير في الخصومة والحسم.
مقتل مهيرة هو نتيجة مباشرة لهذا التحول.
حين يصبح السلاح جزءًا من الحياة اليومية يصبح الخلاف قابلًا للتحول إلى قتل في أي لحظة دون حاجة إلى تخطيط طويل أو سياق معقد، فقط لحظة غضب في بيئة غير مضبوطة.
السؤال الآن لم يعد عن التحذير بل عن القدرة.
هل ما زال هناك مركز قرار قادر على إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والسلاح.
أم أن الواقع تجاوز مرحلة السيطرة ودخل مرحلة إعادة تشكيل المجتمع بقوة السلاح نفسه.
بل إن أي حديث عن إصلاح المؤسسة العسكرية لن يكتمل ما لم يبدأ بمراجعة كل التجاوزات التي صاحبت الحرب، وعلى رأسها اتساع دائرة التسليح خارج الضبط المؤسسي وتحول جزء من القوة إلى خارج مركز القرار.
وكذلك الخلل الهيكلي المرتبط بتراجع آليات التوازن داخل المؤسسة، بما يضعف دور الصوت الثاني ويقرب القرار من الفردية أكثر من المؤسسية.
فلا إصلاح لمؤسسة فقدت توازن قرارها، ولا استقرار لمجتمع خرج منه السلاح إلى تفاصيله اليومية.




