رأي

حين تصبح الأسواق ميادين موتٍ مفتوحة

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

لم تعد الحرب في السودان تُقاس بعدد الجبهات ولا بحجم السيطرة على المدن، بل بمقدار الخراب الذي يتسلل إلى حياة المدنيين اليومية، حتى صار السوق الشعبي ــ وهو آخر ما تبقى من نبض الحياة العادية ــ مكاناً محتملاً للموت الجماعي. وما جرى في غبيش ليس حادثاً عابراً في حرب طويلة، بل علامة خطيرة على التحول العميق في طبيعة الصراع نفسه؛ تحولٌ لم يعد يفرّق بين مقاتل ومدني، ولا بين موقع عسكري ومكانٍ يبيع فيه الناس قوت يومهم.

المشهد في غبيش يكشف وجهاً جديداً للحرب السودانية، وجهاً بارداً يُدار من السماء. طائرات مسيّرة تحوم بعيداً عن الضجيج الإنساني، تضغط على المدن والأسواق والقرى من ارتفاعات لا ترى ملامح الضحايا ولا تسمع صرخاتهم. إنها حرب تُجرّد القتل من المواجهة المباشرة، وتجعل الموت قراراً تقنياً يُنفّذ بضغطة زر، بينما يدفع المدنيون وحدهم الثمن الكامل.

الأخطر من ذلك أن هذه الهجمات لم تعد تُحدث الصدمة التي كانت تحدثها في البدايات. لقد بدأ السودانيون يعتادون صور الأسواق المحترقة، والمستشفيات المدمرة، والجثث الممددة على الطرقات. وهذه أخطر مراحل الانهيار؛ حين يصبح الرعب جزءاً من الحياة اليومية، وحين تتحول الكارثة إلى خبر متكرر لا يغيّر شيئاً في موازين العالم ولا في ضمير القوى المتحاربة.

في غبيش لم يُقصف مجرد سوق، بل قُصفت فكرة الأمان نفسها. السوق في الوجدان السوداني ليس مكاناً للتجارة فقط، بل مساحة للقاء الناس وتبادل الحياة والأخبار والرزق. وحين تُستهدف هذه المساحات، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطنين هي أن لا مكان آمناً في البلاد، وأن الحرب تمدّ أذرعها إلى أبسط تفاصيل الحياة وأكثرها هشاشة.

كما أن اتساع استخدام المسيّرات يكشف حجم التحول العسكري الذي تشهده الحرب. فالصراع لم يعد معارك تقليدية تُدار على خطوط تماس واضحة، بل أصبح حرب استنزاف مفتوحة تستخدم فيها أدوات بعيدة المدى، ذات قدرة عالية على إيقاع الخسائر وسط المدنيين، مع صعوبة تحديد المسؤولية المباشرة أو محاسبة الفاعلين بصورة حقيقية. وهذا ما يجعل المدنيين عالقين بين سماء تحمل الموت وأرض فقدت مؤسسات الحماية والإنقاذ.

ومع كل مجزرة جديدة، يتآكل ما تبقى من الثقة في السياسة، وفي القانون الدولي، وفي المجتمع الدولي ذاته. فالعالم يراقب السودان وهو ينزف ببطء، بينما تتوسع دائرة المجاعة والانهيار والنزوح، وتتحول البلاد إلى مساحة مفتوحة للفوضى والموت البطيء.

إن مأساة غبيش ليست فقط قصة ضحايا سقطوا في سوق مزدحم، بل شهادة دامغة على أن الحرب حين تفقد حدودها الأخلاقية، تصبح حياة الإنسان أرخص من الدخان المتصاعد فوق الركام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!