
محمد ابراهيم الاحمر المحامي
ما يجري داخل ملف البترول في حكومة تأسيس لم يعد مجرد خلاف إداري أو تباين في وجهات النظر، بل أصبح نموذجاً صارخاً للصراع على النفوذ والسيطرة على واحد من أهم موارد السودان الاقتصادية. فبدلاً من توظيف هذه الثروة لخدمة المواطنين وبناء مؤسسات الدولة، يبدو أن معركة خفية تدور للسيطرة على الملف ومن يتحكم في قراراته ومقدراته المالية.
لقد أصدر رئيس المجلس الرئاسي قراراً بتشكيل اللجنة العليا لإدارة ملف البترول برئاسة الباشمهندس إسماعيل نافع، وهي لجنة ضمت عدداً من أصحاب الخبرة والاختصاص في قطاع النفط. غير أن هذه اللجنة لم تُمنح الفرصة الكافية لأداء مهامها، ليفاجأ الجميع بقرار وزير النفط الباشا طبيق بحلها وتشكيل لجنة أخرى، في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات حول السند القانوني الذي استند إليه هذا القرار.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لوزير أن يتجاوز قراراً صادراً من رئيس المجلس الرئاسي؟ ومن الذي يملك السلطة الحقيقية في إدارة هذا الملف؟ وهل أصبحت القرارات تُصنع داخل مؤسسات الدولة أم داخل دوائر النفوذ والمجموعات المتصارعة على الثروة؟
الأمر الأخطر أن اللجنة الجديدة، بحسب ما يتردد في الأوساط المهتمة بالقطاع، لم تُبنَ على معيار الكفاءة والخبرة بقدر ما بُنيت على معيار الولاء والرضا السياسي. وهذه هي الكارثة الحقيقية. فحين يتم إبعاد أهل الاختصاص وتقديم أهل الولاء، فإن الرسالة تكون واضحة: المطلوب ليس إدارة ناجحة لقطاع النفط، وإنما إدارة مطيعة تنفذ ما يُطلب منها دون اعتراض.
هذه ليست سياسات جديدة على السودانيين. إنها ذات الممارسات التي أفسدت مؤسسات الدولة لعقود طويلة. وهي ذات العقلية التي كانت تُقصي الكفاءات وتأتي بالضعفاء حتى يسهل التحكم في القرار والثروة. ولذلك فإن من المؤسف أن يرى الناس هذه الممارسات تتكرر داخل حكومة جاءت أصلاً وهي ترفع شعارات التغيير والإصلاح ومحاربة التمكين.
إن أخطر ما يواجه حكومة تأسيس اليوم ليس خصومها السياسيين، وإنما التناقض بين شعاراتها وممارسات بعض مسؤوليها. فالثورات لا تفشل فقط بسبب أعدائها، بل تفشل أيضاً عندما تتسلل إليها أمراض المحسوبية والشللية وصراع المصالح.
إن ملف البترول ليس ملكاً لوزير ولا لجنة ولا مجموعة نافذة، بل هو ملك للشعب السوداني كله. وأي محاولة لتحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات أو توزيع النفوذ تمثل اعتداءً على حق السودانيين في إدارة مواردهم بشفافية وعدالة.
وعلى حكومة تأسيس أن تدرك أن السكوت على هذه الممارسات سيجعلها شريكاً فيها، وأن استمرار سياسة إقصاء الكفاءات وتمكين أهل الولاء لن يقود إلا إلى إعادة إنتاج النموذج الذي ثار الناس ضده. فالسودانيون لم يقدموا التضحيات من أجل تغيير الوجوه مع بقاء الأساليب نفسها.
إن معركة السودان اليوم ليست فقط من يحكم، بل كيف يُحكم. وإذا كان ملف النفط يُدار بعقلية الولاء بدلاً من الكفاءة، فإن الخاسر في النهاية لن يكون أفراداً أو لجاناً، بل سيكون السودان كله.
محمد إبراهيم الأحمر
المحامي والناشط الحقوقي




