
هشام محمد شريف
لم تعرف بقاع الأرض تحولًا ديمغرافيًّا جذريًّا كالذي عرفته أرض الكنانة، تلك البقعة التي حوّلتها الجغرافيا من حاضنة للحضارات إلى ممرٍّ للغزاة،
ومن منبعٍ للأصالة إلى بوتقةٍ انصهرت فيها موجات بشرية متعاقبة، انتهت بتزييف عميق للهوية امتد من سرقة الحجر إلى محو الذاكرة الإنسانية.
إن فهم ظاهرة “المتصمرين الجدد” يقتضي تفكيك الطبقات الجيولوجية للتاريخ، لنرى كيف تحول المصري القديم، النوبي الأصل، إلى أجنبي في وطنه، وكيف صودرت أحقيته في أعظم معجزات الكون الأهرامات
لقد كانت مصر، بحكم موقعها كحلقة وصل بين إفريقيا وآسيا، ممرًا إجباريًّا للغزاة. منذ الإسكندر الأكبر الذي غزاها عام 332 ق.م مؤسسًا لحكم البطالمة الإغريق، مرورًا بالغزو الروماني ثم البيزنطي، وليس انتهاءً بالفتوحات الإسلامية التي جاءت بقبائل من شبه الجزيرة العربية. لكن التحول النوعي في بنية السكان حدث مع دول المماليك، حيث تدفق الشراكسة والبرابرة والمغول كعبيدٍ محاربين، سرعان ما انقلبوا على أسيادهم وأسسوا دولةً عسكريةً أوقفت التداول الطبيعي للسلطة.
جاء التتويج الأبرز لهذا التغيير مع محمد علي باشا،
الألباني الأصل،
الذي أسس لأسرة حاكمة غريبة عن النسيج الإفريقي لمصر، مؤسسًا لدولة حديثة قوامها نخبة من غير المصريين، لينتج عن ذلك حكومة “مصرية” لا يمت قادتها بصلة جينية أو ثقافية لأصحاب الأرض الأصليين.
وهنا يكمن جوهر المأساة الانقلاب على التاريخ لشرعنة الوجود
فبعد أن أصبحت السلطة في يد هذه النخب الوافدة، بدأت عملية إعادة تدوير للهوية.
أدرك المتصمرون الجدد أن السيطرة على الحاضر والمستقبل لا تكتمل إلا باحتكار الماضي. فظهرت الأطروحة التي تصادر أصل الأهرامات وتنسبها إلى المصري المعاصر، متجاهلةً إجماع دوائر البحث العلمي والأنثروبولوجي التي تؤكد، بأدلة دامغة من تحليلات الحمض النووي ودراسات فنون العمارة والهيروغليفية القديمة، أن بناة الحضارة المصرية الأولى هم أهل النوبة. إن اليد التي شيّدت أهرامات الجيزة هي نفسها التي خطّت حضارة كرمة ونبتة ومروي، حيث يتطابق الأسلوب الهندسي والجوهر الروحي لإفريقيا العميقة قبل أن تشوهه موجات القادمين من الشمال.
هذا التزييف لم يكن ترفًا أكاديميًّا، بل هو مشروع سياسي مُمنهج، صُمم لإطفاء أي نور قد يقود إلى الحقيقة. ولأن الحقيقة الأثرية تختبئ غالبًا في باطن الأرض، حيث يتمدد حزام الذهب من النوبة إلى أعماق إفريقيا، فقد كان لا بد من ضرب مصادر هذه الثروة وحرّاسها. ويأتي العدوان الأخير على “المعدّنيين” في السودان كفصلٍ دموي في كتاب المحو؛ إنه قصفُ العروق التي ما زالت تنبض بدماء الأجداد، ومحاولةٌ يائسة لسحق الشاهد الأخير على الجريمة التاريخية. إن تدمير مناطق التنقيب التقليدي عن الذهب في الشمال السوداني لا يستهدف الذهب في حد ذاته، بل يستهدف طمس أدلة مادية قد تربط الذهب المستخدم في كنوز الفراعنة بمناجم النوبة، مما يكرّس رواية المتصمرين الزائفة.
إن التاريخ يعيد نفسه بمنطق المأساة. فبعد أن اغتصب الغزاة الأرض، يغتصب أحفادهم الآن الذاكرة. لقد تحولت مصر من مهدٍ للحضارة الإنسانية الأولى، التي أبدعها أبناء النوبة، إلى مسرحٍ لصراع الروايات. لكن بقايا المعدّنيين الصامدين على حدود الصحراء، وأحجار الأهرامات الشامخة التي ترفض أن تبوح بأسرارها للغرباء، كلها شواهد على أن الحقيقة، مهما طال ليل الزيف، لا بد أن تشرق من جديد، لأن الحجر لا يكذب، والدم في العروق لا يتجنس




