رأي

قرشي عوض وسقوط أقنعة دولة 56

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

أخطر ما يواجه الشعوب ليس الاستبداد وحده، بل المثقف الذي يبرره.

    يمثل الحديث الذي أدلى به الكاتب قرشي عوض عبر دبنقا نموذجًا صارخًا للبؤس الفكري والسياسي الذي يعاني منه مثقفو النخبة النيلية المهيمنة، وتجسيدًا حيًّا لآليات إنتاج الزيف والتضليل التي برعت فيها منظومة “دولة 56” المعطوبة عبر إعلامها ووكلاء سردياتها الاستعمارية. إن محاولة تسويق بيان تحالف السودان التأسيسي (“تأسيس”) على أنه “بيان غريب” ليست سوى محاولة يائسة للهروب من استحقاقات القانون الدولي الإنساني، والتغطية على طبيعة الصراع الحقيقية في السودان، عبر إعادة تدوير السرديات المكرورة والمثقلة بالزيف والتبرير الأعمى للمؤسسة العسكرية التي ظلت، على مدى قرن من الزمان، العائق الأساسي أمام تحرر الشعوب السودانية وبناء دولتها المستقلة والملبية لتطلعاتها المشروعة.

أولًا: أسطورة الشرعية وتأريخ التبعية وجيش الوكلاء

يرتكز حديث قرشي عوض على مغالطة تاريخية وقانونية كبرى حين يمنح جيش “دولة 56” صك الشرعية والوجود القانوني التاريخي، متناسيًا أو عامدًا القفز فوق الحقائق التي تؤكد أن هذا الجيش تأسس قبل ميلاد تلك الدولة المعطوبة بأكثر من ثلاثة عقود من الزمان. لم ينشأ هذا الجيش ليكون حاميًا لسيادة الشعوب السودانية أو معبرًا عن تطلعاتها، بل تأسس كقوة قمعية استعمارية لحماية مصالح المستعمر، وظل عبر تاريخه مخلب قط للتدخل الإقليمي، ولا سيما المصري، في الشأن السوداني، حتى بات يُعرف في العقل الجمعي النقدي بأنه “الجيش المصري الرابع” في السودان؛ جيش يجمع كل التناقضات الهيكلية، مؤدلج حتى النخاع، مخترق في عقيدته الأمنية، ومختطف من قبل قوى الهيمنة، ومرتهن بالكامل للإرادة الأجنبية.

إن الحديث عن “شرعية” هذا الجيش يمثل قمة الانزلاق الأخلاقي والسياسي؛ فكيف تكتسب الشرعية مؤسسة ظلت تمارس القتل الممنهج والتطهير العرقي والابادة الجماعية ضد شعوبها في الجنوب (قبل الانفصال)، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، وشرق السودان، وفي قلب الخرطوم؟ إنها مؤسسة لم تخض حربًا واحدة دفاعًا عن حدود الوطن، بل وجهت كل فوهات بنادقها، ومدافعها، وطائراتها نحو صدور المواطنين العزل، حارسةً للمصالح الخارجية ومتخندقة خلف امتيازات النخبة المركزية الفاسدة. هذا الجيش، بعقيدته الحالية وبنيته الفاسدة التي اختطفتها الحركة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين، لا يستحق أي احترام، ومكانه الطبيعي الذي ينتظره بفعل وعي الشعوب وثورتها هو مزبلة التاريخ، دون أي أسف عليه.

ثانيًا: حقيقة إشعال الحرب ومسؤولية التداعيات

ينطلق عوض في تقييمه للوضع في مدينة الأبيض وفي السودان عامة من فرضية ساقطة تحاول مساواة الضحية بالجلاد، وتتجاهل المبتدأ والخبر في هذه الحرب الكارثية. إن الحقيقة الثابتة والمثبتة، حتى على ألسنة قادة ورموز النظام البائد وجماعة الإخوان المسلمين الذين خططوا ودبروا ونفذوا، هي أن جيش “دولة 56” المختطف هو من أشعل شرارة هذه الحرب في الخامس عشر من أبريل. وبالتالي، فإن المسؤولية الأخلاقية، والقانونية، والجنائية عن كل ما ترتب على هذه الحرب من دمار، وضحايا، وتمزيق للنسيج الاجتماعي، تقع بالكامل على عاتق الطرف الذي اتخذ قرار الحرب وسيلةً لوأد التحول الديمقراطي واستعادة سلطته المغتصبة، وليس على الطرف الذي تصدى لهذا العدوان الغاشم وانحاز منذ اللحظة الأولى لقضايا الشعوب السودانية وثورتها الباذخة والمجيدة.

إن قوات الدعم السريع لم تكن يومًا طالبة حرب، بل كانت وما زالت أداة لتفكيك بنية التمكين والامتيازات التاريخية التي تحتكرها عصبة “دولة 56”. ومحاولة تحميلها تداعيات الحرب ومآسيها هي قلب وتزييف صريح للحقائق، يتناقض مع منطق الأشياء؛ فمن يشعل النار هو المسؤول عن الرماد، ومن يبتدئ الظلم هو من يتحمل وزر العواقب.

تهافت مزاعم الانتهاكات والدروع البشرية في الأبيض والفاشر

أما المزاعم والادعاءات التي ساقها قرشي عوض حول استهداف الدعم السريع للأعيان المدنية والأحياء السكنية في الأبيض، أو تضخيم الأحداث في الفاشر، فهي كلام عارٍ تمامًا من الصحة، ويفتقر إلى أي حوامل منطقية أو قرائن موضوعية على أرض الواقع. الحقيقة الموثقة التي يراها الجميع، ويحاول مثقفو التبرير التعامي عنها، هي أن جيش وكلاء الاستعمار والمليشيات والكتائب العقائدية (مثل البراء وغيرها) التي تقاتل معه، ظلت على الدوام تستخدم المدنيين كدروع بشرية لحماية معسكراتها وقواعدها العسكرية داخل المدن.

إن تحويل المدارس، والمستشفيات، والأعيان المدنية إلى ثكنات عسكرية، ومنصات لإطلاق المدافع والراجمات، هو ديدن هذا الجيش المهزوم، الذي يعجز عن مواجهة المقاتلين في الميدان فيلجأ إلى التترس خلف المواطنين العزل. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ارتكب هذا الجيش جرائم وحشية لا حصر لها ضد المدنيين بحجة أنهم يمثلون “حواضن اجتماعية” للطرف الآخر؛ فشهدنا القصف الجوي الأعمى والبراميل المتفجرة التي تحصد أرواح الأبرياء في القرى والمدن الآمنة، وابتداع ما يُسمى بـ “قانون الوجوه الغريبة” لممارسة التصفيات الجسدية على أساس الهوية العرقية والمناطقية، وتصفية الأبرياء في الكنابي وقرى الجزيرة ودارفور وكردفان. إن ما قام به جيش 56 ومليشياته يمثل فظائع وجرائم ضد الإنسانية تفوق في بشاعتها أي مجازر عرفها التأريخ الإنساني الحديث، ومع ذلك يغمض مثقفو السلطة أعينهم عنها لتبرير استمرار الحرب.

 رابعًا: بيان تحالف “تأسيس” وجوهر القانون الدولي الإنساني

لقد جاء بيان تحالف السودان التأسيسي (“تأسيس”) منسجمًا تمامًا مع قواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني، وعاريًا من أي مواربة سياسية. فالقانون الدولي الإنساني، المتمثل في اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، واضح لا لبس فيه: وجود المدنيين داخل المدن أو بالقرب من المنشآت العسكرية لا يسقط الصفة العسكرية المشروعة عن تلك المواقع إذا كانت تُستخدم بفعالية في العمليات الحربية ومهاجمة الطرف الآخر.

إن مدينة الأبيض، بوضعها الحالي، تضم قواعد عسكرية ومنشآت عملياتية تابعة للجيش المختطف، ومنها تُشن الهجمات الجوية والبرية على قوات التحالف وعلى القرى والبلدات المحيطة، مما يهدد حياة الآلاف من المواطنين في تلك المناطق. وبالتالي، فإن تصنيف هذه المواقع كأهداف عسكرية مشروعة هو تطبيق دقيق لروح القانون. ومع ذلك، فإن التحالف ثمن كل الدعوات الدولية لحماية المدنيين، واشترط لنجاحها الضغط الحقيقي والصارم على الطرف الذي يرفض السلام والتفاوض للوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار عبر عملية سياسية جادة تخاطب جذور الأزمة السودانية، وتنهي هيمنة دولة الامتيازات.

 خامسًا: أزمة مثقف دولة 56 وبؤس التبرير

إن الموقف الذي عبر عنه قرشي عوض يعكس الأزمة البنيوية والأخلاقية التي يعيشها مثقف “دولة 56″، والذي يضع وسادته الفكرية دائمًا تحت رأس السلطة المركزية المستبدة. إنه المثقف الذي يسخر قلمه وفكره لتبرير وتغطية عورات مؤسسة عسكرية مثقلة بكل أشكال الانتهاكات والجرائم على مدى قرن من الزمان، متنازلًا عن دوره الطليعي في نصرة المظلومين وكشف الحقائق.

بدلًا من إدانة اختطاف الجيش من قبل الكيزان، وبدلاً من المطالبة بإنهاء دولة المحسوبية والظلم التاريخي، يندفع هؤلاء المثقفون نحو شيطنة القوى الصاعدة التي تحمل مشعل التغيير، والتباكي على “شرعية” زائفة لجيش تحول إلى مليشيا عائلية وعقائدية تحرس مصالح الإقليم. إن هذا البؤس الفكري لن يصمد أمام حقائق التأريخ وعزيمة الشعوب السودانية التي قررت، بلا رجعة، تفكيك هذه الدولة المعطوبة وبناء السودان الجديد؛ سودان العدالة، والمساواة، والحرية، والمواطنة بلا تمييز، وتأسيس جيش مهني وقومي واحد يعبر عن كافة مكونات الشعب السوداني، وينهي وإلى الأبد عهد الوكلاء والمستعمرين بالداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!