
شريف ذهب
لما كانت مصر، شأنها شأن السودان، خاضعة للحكم الإنجليزي مع قدر محدود من الاستقلالية الشكلية، ومع تصاعد الحملات المطالبة بالاستقلال، خاصة من قبل زعماء حزب الوفد، برز اتجاه مصري يربط استقلال مصر بالسودان ويعتبره جزءاً من الدولة المصرية ينبغي أن يخضع لسيطرتها.
في المقابل، كانت الحكومة البريطانية ترى ضرورة الفصل بين القضيتين، وأن ينال السودان استقلاله منفرداً وبسيادته الكاملة. ومن هنا بدأ الخلاف يتسع بين الحكومة البريطانية والنخب السياسية المصرية. ولتحقيق أهدافها، شرعت النخب المصرية في التأثير على النخب السودانية عبر شعارات جذابة مثل “وحدة وادي النيل” و”المصير المشترك للشعبين”.
وفي ظل هذه الأجواء، وسعياً لقطع الطريق أمام المطامع المصرية في السودان، نشرت صحيفة التايمز البريطانية عام 1921م مقالاً بعنوان “السودان للسودانيين”، تأكيداً لاتجاه الحكومة البريطانية الداعم لاستقلال السودان بعيداً عن التبعية المصرية.
وفي المقابل، وبتأثير من النخب المصرية، نشأت في السودان خلال العام نفسه جمعية سرية حملت اسم “الاتحاد السوداني”، وضمت عدداً من الموظفين من خريجي المدارس وبعض طلاب كلية غردون وشباب الأعمال. وكان شعارها: “السودان للسودانيين ومصر أولى بالمعروف”.
تمثلت أنشطة هذه الجمعية في توزيع منشورات مناهضة للحكومة البريطانية، إضافة إلى إرسال الطلاب سراً لمواصلة تعليمهم في مصر.
جمعية اللواء الأبيض
امتداداً لذلك النشاط المدني، وسعياً لتوسيع الحراك ليشمل الجانب العسكري، تأسست في عام 1924م جمعية اللواء الأبيض برئاسة الملازم أول علي عبد اللطيف، المولود في حلفا عام 1892م، والذي كان والده جندياً في الجيش المصري.
التحق علي عبد اللطيف بالمدرسة الحربية وتخرج فيها عام 1914م برتبة ملازم ثان، وتنقل في خدمة الكتائب السودانية التابعة للجيش المصري، كما عمل إدارياً برتبة نائب مأمور.
وعندما تأسست جمعية الاتحاد السوداني عام 1921م، كان علي عبد اللطيف في خدمة الجيش المصري، فانخرط في النشاط السياسي، لا سيما وسط زملائه الضباط، حتى أصبح منزله مقراً للنشاط السياسي والتنظيمي
ومن أبرز المواقف التي اشتهر بها رفضه، مع عدد من زملائه العسكريين، أداء التحية لنائب المأمور البريطاني، مبرراً ذلك بأن العسكريين غير ملزمين بأداء التحية للموظفين المدنيين، باستثناء مدير المديرية في مناسبات محددة.
كما كتب علي عبد اللطيف مقالاً في صحيفة حضارة السودان المصرية، إلا أن المقال لم يُنشر، ومع ذلك تعرض للاعتقال بواسطة السلطات بدعوى نشره في الصحف المصرية.
وبعد خروجه من السجن، بدأ نشاطاً سياسياً أكثر وضوحاً، تمحور حول ربط قضية السودان بالقضية المصرية.
وفي الوقت نفسه، واصلت النخب المصرية نشاطها السياسي الرامي إلى دمج قضية السودان مع مصر، بل واقترحت أن يحمل الحاكم المصري لقب “ملك مصر والسودان”.
صعود الوفد وتأسيس اللواء الأبيض
عقب فوز حزب الوفد في مصر عام 1924م وتولي سعد زغلول رئاسة الحكومة، تأسست في السودان جمعية اللواء الأبيض التي بادرت بإرسال البرقيات المؤيدة للمطالب المصرية الداعية إلى الاستقلال الكامل لمصر والسودان.
التهاني بين الحكومتين البريطانية والمصرية
مع فوز حزب العمال البريطاني بقيادة رمزي ماكدونالد وتشكيله الحكومة، وبالتزامن مع تولي حزب الوفد الحكم في مصر بقيادة سعد زغلول، بعثت الحكومة البريطانية برقية تهنئة للحكومة المصرية الجديدة، متضمنة وعوداً بمنح مصر استقلالاً كاملاً.
وجاء الرد المصري معلناً الاستعداد للدخول في مفاوضات مع الحكومة البريطانية لتحقيق ما وصفته بالأماني القومية لمصر والسودان، وهو ما عُدّ استمراراً لربط مصير السودان بمصر.
ومنذ ذلك الوقت، احتدم الخلاف بين الحكومتين البريطانية والمصرية حول تبعية السودان، حيث أصرت مصر على ربط استقلالها بمصير السودان، بينما تمسكت بريطانيا بمبدأ الفصل بين القضيتين.
وقد انعكس هذا الخلاف السياسي على مسألة وجود القوات المصرية في السودان وتأثيرها على الأوضاع الداخلية، خاصة مع نشاط جمعية اللواء الأبيض بقيادة علي عبد اللطيف، التي تبنت مواقف مناهضة لبريطانيا ومؤيدة لمصر، ونظمت مظاهرات في الخرطوم وأم درمان انتهت باعتقال قادتها.
انتقال النشاط إلى المؤسسة العسكرية
في أغسطس 1924م، خرج طلاب المدرسة الحربية في تظاهرة مؤيدة لمصر. ونظرت السلطات البريطانية إلى هذه الخطوة باعتبارها تمرداً عسكرياً، خصوصاً بعد رفض الجنود تنفيذ أوامر رؤسائهم من كبار الضباط الإنجليز العاملين في الجيش المصري.
وكانت مصر آنذاك تتمتع بحكم شبه مستقل، مع وجود ملك وحكومة منتخبة، فيما كان الضباط المتخرجون من المدارس الحربية في القاهرة والخرطوم يؤدون قسم الولاء والطاعة لملك مصر.
هذه الأوضاع دفعت الحكومة البريطانية إلى المطالبة بإجلاء القوات المصرية من السودان، إلا أن تلك القوات رفضت المغادرة إلا بأوامر مباشرة من ملك مصر.
وفي تلك الأثناء، تضامن عدد من الجنود السودانيين، وعلى رأسهم الضابط عبد الفضيل الماظ، مع الجنود المصريين، الذين قدموا لهم وعوداً بالمساندة في حال اندلاع أي تمرد.
غير أن تلك الوعود لم تُنفذ، إذ عندما تمردت القوات السودانية لم تتدخل الكتيبة المصرية لمساندتها، وتركتها تواجه مصيرها منفردة، لتنتهي الأحداث بالقضاء على التمرد بواسطة القوات البريطانية في الوقائع المعروفة تاريخياً.
نواصل في الحلقات القادمة بإذن الله: مؤتمر الخريجين، المجلس الاستشاري لشمال السودان، قضية الجنوب، ثورة السلطان عجبنا في جبال النوبة، جبهة نهضة دارفور، حركة سوني، اتحاد عام جبال النوبة، الأنقسنا، مؤتمر البجا، حركة كوش، والاستقلال المنقوص.




