
عماد ابكر جدو
لم تكن استثمارات النظام البائد ومؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في السودان مجرد صفحات طُويت في سجلات التاريخ السياسي والاقتصادي للبلاد، بل تحولت اليوم إلى قنابل موقوتة وكوابيس مفترسة تخرج من تحت الأرض لتهدد حياة المواطنين الأعزل على امتداد شريط النيل الأبيض.
ففي تطور دراماتيكي خطير، يواجه سكان الجزء الجنوبي لولاية النيل الأبيض.ولا سيما في مدينتي كوستي والجبلين.—تفشياً مرعباً وغير مسبوق للتماسيح المفترسة التي اجتاحت الأحياء السكنية والقرى المغمورة بالمياه عقب فيضانات وسيول يوليو الجاري. هذا الاجتياح ليس مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل هو النتيجة المباشرة لـ “إرث مشبوه” من الاستثمارات الغامضة التي أدارتها قيادات نافذة في النظام السابق بالتحالف مع شبكات استثمارية معتمة.
من صفقات النفوذ إلى أحواض الافتراس
تعود جذور الكارثة إلى التسعينيات، إبان فترة إقامة أسامة بن لادن في السودان (1991–1996)، حيث أنشأت شركاته (“الوادي العقيق” و”الثمار”) مشاريع مريبة امتدت من الدمازين والقضارف إلى عمق النيل الأبيض. وتحت ساتر الاستثمار في “الحياة البرية وتصدير الجلود”، أُقيمت مزارع مغلقة للتماسيح والزواحف المفترسة في البيئة المستنقعية الحصينة بين كوستي والجبلين.
عقب مغادرة بن لادن، لم تُعد تلك الأصول إلى مظلة الدولة الشفافة، بل آلت—وفق تقارير واستقصاءات متواترة—إلى شبكات نفوذ أمنية وسياسية تابعة لرموز النظام البائد، يتصدرهم وزير الخارجية الأسبق والقيادي البارز علي كرتي، عبر واجهات استثمارية ظلت محاطة بالسرية والتكتم الشديدين، بعيداً عن أي رقابة بيئية أو أمنية.
ورغم محاولات “لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال” عقب ثورة 2019 تقصي ملكيات هذه المزارع والأنشطة غير التقليدية، إلا أن الملف بقي عالقاً ومسكوناً بالشبهات، لتبقى تلك الأحواض والمحميات المهجورة مرتعاً لتكاثر الزواحف المفترسة بعيداً عن الأعين.
الفيضان يكسر السواتر.. ويهرب الوحوش
ومع الارتفاع غير المسبوق لمنسوب النيل الأبيض والسيول العارضة التي ضربت المنطقة في يوليو 2026، انهار غطاء السرية، وسقطت الحواجز الخرسانية والسواتر الترابية للمزارع القديمة والمهملة.
النتيجة كانت تدفقاً كثيفاً للتماسيح التي تكاثرت بحرية لسنوات داخل الأحواض المتروكة؛ إذ جرفتها المياه المتلاطمة ونقلتها من بيئتها المغلقة إلى مجاري المياه السطحية والقرى المغمورة، لتتحول المساحات السكنية والزراعية في كوستي والجبلين إلى ساحات مفتوحة للافتراس.
رعب على الضفاف.. وتدفق تحت المياه التعكرة
لم يعُد الخطر مجرد فرضية بيئية، بل بات تهديداً حتمياً للأرواح.ان رمي الجثث من قبل كتائب البراء وقوات الجيش في مياه النيل حفز التماسيح للنمو وزيادة الحجم إبان الثلاثة سنوات الماضية بعد اشتعال حرب 15/ابريل .مما ادي الي حصار المواطنين علي ضفاف
النيل والأحياء المغمورة إلى مناطق خطر داهم؛ حيث تتسلل التماسيح تحت المياه المتعكرة لتتربص بالنساء والأطفال والمواطنين الذين يعتمدون على الشريط النيلي في قضاء احتياجاتهم اليومية.
إصابة الشريان الاقتصادي بالشلل: تلقى قطاع الصيد التقليدي ضربة قاضية، بعدما دمرت التماسيح شباك الصيادين وعطلت القوارب، إلى جانب تسجيل حالات افتراس متكررة للمواشي والدواب، مما كبد المزارعين والمربين خسائر فادحة.
صمت حكومي وتحرك بطيء
إن ما يحدث في النيل الأبيض هو جريمة مركبة؛ أبطالها فساد الماضي وسوء إدارة الحاضر. ولا يمكن مواجهة هذا الخطر الداهم بالبيانات الروتينية، بل يتطلب الأمر تحركاً حازماً وفورياً يشمل:
إعلان حالة الطوارئ البيئية: وتدخل فوري لشرطة الحياة البرية عبر دوريات مسلحة لمسح المناطق المأهولة وصيد التماسيح المتسربة.
التوعية والتحذير: إطلاق حملات إنذار مبكر عبر وسائل الإعلام المحلية لمنع الاقتراب من التجمعات المائية المشبوهة.
التطهير والتأمين القانوني والمهندسي: حصر كافة المزارع والأحواض التاريخية والتأكد من إغلاقها أو تدمير بنيتها الهيكلية منعاً لتكرار الكارثة مع كل موسم فيضان.
إن أرواح المواطنين في كوستي والجبلين ليست ثمنًا يُدفع لقاء تركة استثمارية فاسدة، والمسؤولية اليوم تقع على عاتق السلطات القائمة للتصرف قبل أن تحصد هذه الوحوش الفارة مزيداً من الضحايا.




