رأي

مشروع تأسيس لبناء دولة سودانية عادلة ومستدامة

مها طبيق

 

 مها طبيق

تواجه السودان منذ الاستقلال حاجة ملحة إلى مشروع وطني شامل يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمشاركة ، ويعيد الاعتبار للسكان الأصليين والمكونات التاريخية التي شكلت هوية البلاد . فمشروع التأسيس بجانب تحقيق العدالة ، يهدف إلى إعادة صياغة البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بما يضمن الاستقرار والتنمية المستدامة .

فهم التاريخ السكاني للسودان والارتكاز عليه يمثل قاعدة صلبة لأي مشروع تأسيسي . فقبل الدولة الحديثة ، كانت الأرض مأهولة بمجتمعات متنوعة تشمل النوبيين في الشمال ، والنيلون في الجنوب ، ومجموعات جبال النوبة ، والبجا في الشرق ، والفور والداجو والزغاوة والميدوب في غرب السودان ووسطه . هذه المجموعات حافظت على نظم حكم محلية وثقافات مستقلة ، وساهمت في بناء مكونات الهوية السودانية قبل وصول المجموعات العربية .

أما أول الموجات العربية التي دخلت السودان ، فكانت بنو جهينة في القرن الحادي عشر ، تلتها مجموعات مثل ربيعة والكواهلة والبقارة . هذه الهجرات لم تمحِ السكان الأصليين ، لكنها أضافت طبقة ثقافية ولغوية جديدة ، وشكلت فيما بعد جزءًا من الهوية السودانية الجامعة .

لذلك يجب لمشروع التأسيس تحقيق الأهداف التالية :

أولا/ تحقيق العدالة التاريخية والسياسية بضمان تمثيل جميع المكونات ، السكان الأصليين والعرب ، في السلطة التشريعية والتنفيذية ، مع مراعاة حقوق الأراضي التقليدية والموارد الاقتصادية لكل مجموعة .

ثانيا/ بناء الهوية الوطنية الجامعة بدمج المكونات الثقافية واللغوية في هوية سودانية جامعة ، دون محو الخصوصيات التاريخية ، عبر مناهج تعليمية وسياسات ثقافية تعكس هذا التنوع .

ثالثا/ إحداث التنمية الاقتصادية المستدامة بدعم القطاعات التقليدية لكل مجموعة ، مثل الرعي والزراعة والتجارة ، إلى جانب تطوير البنية التحتية والخدمات العامة بما يعزز العدالة الاقتصادية بين الأقاليم .

رابعا/ حماية المجتمعات الضعيفة بتأسيس آليات قانونية ومجتمعية لحماية حقوق الأقليات والمكونات الأكثر هشاشة ، خصوصًا في دارفور وجبال النوبة وأعالي النيل . ويتم ذلك ب :

التوثيق التاريخي والعرقي عبر إنشاء قاعدة بيانات دقيقة للمكونات الأصلية والهجرات العربية ، وتحديد أراضي كل مجموعة وفق التاريخ والأعراف . والتمثيل السياسي المتوازن من خلال مجالس محلية وبرلمان مركزي يضمن مشاركة عادلة لجميع المكونات ، مع نظام انتخابي يراعي التوازن التاريخي . وكذلك وضع خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية ببرامج متكاملة لدعم الزراعة والرعي ، وتوفير التعليم والصحة والبنية التحتية لكل إقليم حسب خصوصياته . وإنشاء آليات فض النزاعات وحماية الحقوق عبر محاكم محلية وأجهزة تحكيم تعتمد العرف والتاريخ لتسوية النزاعات بين المجموعات .

مشروع تأسيس الدولة السودانية الحديثة يمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة والمشاركة. من خلال الاعتراف بالتنوع التاريخي للمكونات السكانية ، ودمج السكان الأصليين والمجموعات التاريخية في عملية صنع القرار ، ومن خلال ذلك يمكن للسودان أن يؤسس لدولة مستقرة وقوية ، تعكس هويته الحقيقية وتضمن مستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي .

مها الهادي طبيق

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!