رأي

شكرٌ على طريقة المتسولين:حين تستجدي الحركة الإسلامية “الشرعية” من بوابة الرياض

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

في بيانٍ قصيرٍ في لغته، طويلٍ في دلالاته، خرجت الحركة الإسلامية السودانية لتشكر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على ما وصفته بـ«المسعى الحميد». بيانٌ لا يمكن قراءته خارج سياقه الحقيقي: سياق حركة فقدت كل ما يمكن أن يُسمّى شرعية سياسية أو أخلاقية، وتبحث اليوم عن أي نافذة إقليمية تعيدها من بوابة الخارج بعد أن أغلق الشعب السوداني الأبواب في وجهها.

لغة البيان، المفرطة في التزلف والشكر، لا تعبّر عن موقف سياسي متوازن، بل عن تسوّل سياسي واضح. فالحركة التي حكمت السودان لعقود بالنار والحديد، وورّثته الانقسام والحروب والفساد والعزلة الدولية، لم تجد ما تقدمه اليوم سوى خطاب أخلاقي أجوف عن “الحق والعدل وصيانة الكرامة”. وهي ذات الحركة التي داست هذه القيم حين كانت تملك السلطة كاملة، بلا شريك ولا رقيب.

الأخطر من البيان ذاته، هو تزامنه وانسجامه الكامل مع زيارة عبد الفتاح البرهان الأخيرة إلى السعودية. فالمشهد يبدو كأنه تقسيم أدوار محسوب: قائد عسكري يزور الرياض بصفة “رأس الدولة”، وحركة إسلاموية تبارك وتشكر وتغازل، والهدف واحد: إقناع السعودية بأن تكون الجسر الذي تعبر عبره الحركة الإسلامية والقيادة العسكرية إلى “الرباعية” الدولية، أملاً في رفع الحظر السياسي وإعادة تدويرهم كـ“شركاء محتملين”.

لكن السؤال الجوهري:

ماذا تملك الحركة الإسلامية لتقدمه اليوم كضمان؟

التجربة تقول: لا شيء.

فالحركة التي نقضت عهودها مع شعبها، وانقلبت على الديمقراطية، وأدخلت البلاد في نفق الحروب والعقوبات، لا تملك رصيد ثقة لدى الداخل ولا الخارج. وهي تعلم جيداً أن المجتمع الدولي – خاصة الولايات المتحدة – ينظر إلى الإسلام السياسي، وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها خطراً سياسياً وأمنياً. وليس خطاب دونالد ترامب، الواضح في تصنيفه للإخوان كجماعة إرهابية أو راعية للإرهاب، ببعيد عن هذا السياق.

من هنا، يصبح الشكر المبالغ فيه لولي العهد السعودي محاولة مكشوفة لـشراء موقف سياسي، أو على الأقل استجدائه. وكأن الحركة تقول: “نحن جاهزون لأي دور، لأي صفقة، لأي التزام… فقط أعيدونا إلى المشهد”. إنها سياسة بيع الوهم، وبيع ما تبقى من الوطن إن لزم الأمر.

أما البرهان، فزيارته لا يمكن فصلها عن هذا المسعى. فالرجل الذي يدّعي نفي وجود الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية، يطرق في الوقت نفسه أبواب العواصم الإقليمية التي يعلم ثقلها في الملف السوداني. والرسالة الضمنية واضحة: نحن قادرون على ضبط الإسلاميين، أو إعادتهم بشكل منظم، أو توظيفهم كقوة سياسية “منضبطة” إذا طُلب منا ذلك. وهي رسالة لا تُقال علناً، لكنها تُفهم جيداً في كواليس السياسة.

غير أن ما يغفله هذا التحالف غير المعلن بين البرهان والحركة الإسلامية، هو حقيقة بسيطة:

الشرعية لا تُستورد، ولا تُشترى بالزيارات ولا بالبيانات.

والشعوب، مهما أنهكتها الحروب، لا تنسى من دمّر دولتها وقتل أبناءها ونهب مواردها باسم الدين.

السعودية، بما تملكه من خبرة سياسية وقراءة دقيقة للإقليم، تدرك أن الإسلام السياسي في السودان ليس “ضامناً للاستقرار”، بل كان دائماً أحد أهم مصادر الفوضى. كما تدرك أن تقديم الحركة الإسلامية كـ“حل” هو مغامرة خاسرة، ستعيد إنتاج الأزمة لا حلها.

في النهاية، ما يجري اليوم ليس سعياً للسلام، ولا حرصاً على الوطن، بل محاولة أخيرة من بقايا مشروع فاشل للعودة إلى الحياة السياسية عبر رضا الخارج، ولو على أنقاض الداخل.

وهو رهان خاسر، لأن الوطن الذي صار ركاماً بفعلهم، لا يمكن أن يكون مرة أخرى سلّماً لعودتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!