المجتمع المدني بين الحقوق والتسييس: كيف تحوّل العمل الإنساني إلى أداة إقصاء في حرب السودان
إسماعيل هجانة

إسماعيل هجانة
شكرًا للأستاذ Ammar Nagmalden على الإشارة، وللبوست العميق الذي كتبه الصديق Khalifa Keshib . هذا النقاش موجّه مباشرة إلى القارئ بوصفه الطرف الأول في معركة الوعي، ويهدف إلى تفكيك ممارسات قائمة تتطلب تسمية الأشياء بأسمائها دون مواربة أو تجميل.
من منظور حقوقي ونسوي واضح، تمتلك أي منظمة تعمل في قطاع المرأة الأهلية الكاملة لتدريب وتأهيل النساء في أي منطقة سودانية، بما فيها مناطق سيطرة الدعم السريع، متى ما كان النشاط مدنيًا وحقوقيًا وخارج الإطار العسكري. المرأة، حتى في واقع حمل السلاح، تظل إنسانة كاملة الحقوق، وتشملها منظومات الحماية والتأهيل وإعادة الدمج كما نصّت عليها كل المواثيق الدولية ذات الصلة. هذا مبدأ لا يحتمل التأويل أو الانتقائية.
جوهر الأزمة سياسي وانحيازي. التمويل المخصص لهذا العمل لم يُقسِّم النساء إلى مستحقات وغير مستحقات، بل وُجِّه للنساء السودانيات كافة. ما يجري عمليًا هو استبعاد ممنهج قائم على الجغرافيا والانتماء والاصطفاف، تُغطّيه لغة تقدمية زائفة تخفي واقعًا إقصائيًا واضحا ومفضوح بلا شك. هذا السلوك لا يمكن تبريره أخلاقيًا أو مهنيًا.
هذا الانحراف كشف خللًا بنيويًا داخل مؤسسات المجتمع المدني، حيث تهيمن مجموعات محدودة من بيئات وجغرافيات بعينها على القرار والتمثيل. النتيجة المباشرة كانت انهيار قيم الحياد والاستقلالية، ثم الانزلاق الأخطر نحو الانخراط الفعلي في الصراع، عبر التعامل الانتقائي مع الانتهاكات، والصمت المتعمّد عن جرائم بعينها مع إضفاء سياقات التبرير للقتلة والمجرمين بحجج واهية معزولة.
الأخطر أن قطاعات واسعة من هذه المؤسسات شاركت في تجميل قبح الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وتجاوزت الصمت إلى تطبيع الجرائم، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيماوية، تحت عناوين إنسانية وحقوقية فقدت معناها بالكامل. هنا يصبح لزامًا إعادة تعريف جذرية لمفاهيم العمل المدني والمناصرة والتمثيل، بعدما تحوّلت بعض المنظمات إلى أدوات سياسية تُدار بالتمويل لا بالمبادئ.
في المقابل، جرى إغلاق منظمات مهنية متخصصة بذريعة الانتماء الإثني أو الخلفية الجغرافية، في سلوك يكشف ازدواجية فاضحة. ما حدث مع قلوبال إيد هاند #Global_Aid_HANDs ، عبر محو سجل تسجيلها في بورتسودان، مثال حي وعملي على تسييس العمل الإنساني واستخدام أدوات الدولة لإقصاء الاستقلاليين.
هذه الوقائع تؤكد أن شبكات النفوذ المرتبطة بمجموعة بورتسودان باتت عاملًا حاسمًا في منح وسحب شرعية العمل المدني، بمعزل عن الكفاءة والاحتياج الإنساني الحقيقي. السؤال المشروع هنا ليس استفهامًا بريئًا، بل اتهام مباشر: على أي أساس يُسمح لمنظمات محددة بالعمل بحرية، بينما تُقصى أخرى فاعلة ومؤهلة؟
ما يجري يا اصدقائي خلل بنيوي عميق حوّل العمل المدني من أداة لحماية الحقوق إلى آلية ضبط وإقصاء. استمرار هذا المسار يعني مكافأة التواطؤ ومعاقبة الاستقلالية، ويجعل من المجتمع المدني جزءًا أصيلًا من الأزمة، لا أداة لتفكيكها.
اسماعيل هجانة الحكاية الأعمق من الحرب




