تقارير وتحقيقات

تأسيس تكسر احتكار السردية الدولية.. فضيحة تقرير “أطباء بلا حدود” تكشف تسييس العمل الإنساني في دارفور

التنوير ؛ تقرير الشبكة الإعلامية المدنية MCN

 

التنوير ؛ تقرير الشبكة الإعلامية المدنية MCN

في لحظة سياسية وإنسانية فارقة، أعادت حكومة السلام والوحدة الوطنية (تحالف تأسيس) رسم ملامح العلاقة مع المنظمات الدولية، بعد أن فجّرت مواجهة مباشرة مع التقرير المنسوب إلى منظمة “أطباء بلا حدود”، والذي تناول مزاعم بوقوع آلاف حالات الاعتداء الجنسي في دارفور. لم يكن الرد مجرد تفنيد تقني، بل جاء شاملاً، حاداً، ومحملاً برسائل سيادية واضحة، تؤكد أن المرحلة القادمة لن تسمح باستمرار ما وصفته الحكومة بـ”التلاعب بالروايات الإنسانية”.

هذا التصعيد لم يأتِ من فراغ، بل جاء في سياق تراكم طويل من التوترات بين السلطات المحلية وبعض المنظمات الدولية، حيث ترى الحكومة أن العمل الإنساني انحرف في بعض الحالات عن مساره، وتحول إلى أداة ضغط سياسي تُستخدم لتوجيه الرأي العام الدولي ضدها. ومن هنا، بدا المؤتمر الصحفي في نيالا وكأنه إعلان رسمي لبداية مرحلة جديدة عنوانها: “السيادة أولاً”.

سقوط القناع.. تقرير بلا أدلة

منذ اللحظة الأولى، ركزت الحكومة على تفكيك الأساس الذي قام عليه التقرير، معتبرة أنه يفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير المهنية. وزير الصحة، الدكتور علاء الدين نقد، قدم عرضاً مفصلاً أوضح فيه أن التقرير لم يتضمن أي أدلة جنائية أو طبية يمكن الاعتماد عليها، مثل الفحوصات المخبرية أو التوثيق السريري للحالات.

وأشار إلى أن القضايا المرتبطة بالاعتداءات الجنسية تُعد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، ولا يمكن التعامل معها عبر سرديات عامة أو شهادات غير موثقة، بل تحتاج إلى أدلة دقيقة ومقنعة. وبغياب هذه الأدلة، فإن التقرير – وفقاً للحكومة – يفقد قيمته المهنية، ويتحول إلى مجرد مادة إعلامية لا ترقى إلى مستوى الوثائق الحقوقية.

هذا الطرح عزز من موقف الحكومة، التي بدت واثقة في قدرتها على تفكيك التقرير من الداخل، وإظهار هشاشته أمام الرأي العام.

أرقام مفبركة.. أين النتائج الطبية؟

لم يكن غياب الأدلة هو الإشكال الوحيد، بل كشفت الحكومة عن تناقضات جوهرية في الأرقام الواردة في التقرير. فالإشارة إلى (3396) حالة اعتداء جنسي، بعضها جماعي ومتكرر، تطرح تساؤلات منطقية حول الآثار الصحية المترتبة على ذلك.

وزير الصحة تساءل بوضوح: أين حالات الحمل الناتجة عن هذه الاعتداءات؟ أين المضاعفات الصحية المسجلة؟ ولماذا لم تظهر هذه المؤشرات في سجلات المرافق الطبية التي تديرها المنظمة نفسها داخل نيالا؟

هذه الأسئلة، التي لم يجد لها التقرير إجابات واضحة، عززت من قناعة الحكومة بأن الأرقام تم تضخيمها أو تصنيعها بهدف خلق صدمة إعلامية، وليس لنقل واقع ميداني دقيق.

توقيت مشبوه.. السياسة وراء الستار

واحدة من أبرز النقاط التي أثارتها الحكومة تتعلق بتوقيت صدور التقرير. فقد جاء بحسب رئيس الهيئة الوطنية للوصول الإنساني، المهندس عز الدين الصافي  في لحظة تتزامن مع ضغوط سياسية دولية تستهدف حكومة “تأسيس”.

وأوضح الصافي أن هذا التزامن لا يمكن اعتباره صدفة، بل يعكس نمطاً متكرراً من استخدام التقارير الإنسانية كأداة ضغط سياسي. وأضاف أن بعض المنظمات باتت تتحرك ضمن سياقات سياسية، وهو ما يفقدها حيادها المفترض.

هذا الاتهام يعكس أزمة ثقة عميقة، ويطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الحكومات والمنظمات الدولية في بيئات النزاع.

الرد الميداني.. الحقيقة من داخل دارفور

في مقابل ما وصفته الحكومة بـ”السردية المصنوعة”، قدمت رواية ميدانية قالت إنها تستند إلى الوقائع. وأكدت أنها قامت بتأمين وإجلاء أكثر من (800) ألف مواطن من مناطق النزاع، خاصة من الفاشر إلى طويلة، في عملية إنسانية واسعة.

كما أوضحت أن قواتها وفرت الحماية والغذاء والخدمات الطبية للنازحين، في وقت كانت فيه أطراف أخرى تعرقل خروج المدنيين. واعتبرت أن هذه الحقائق تم تجاهلها عمداً في التقرير، مما يعكس  بحسب رأيها  انتقائية واضحة في التوثيق.

هذا الطرح يهدف إلى إعادة بناء الصورة الذهنية عن دور الحكومة، وتقديمها كفاعل إنساني، وليس كطرف متهم.

سردية عنصرية ساقطة

من النقاط التي رفضتها الحكومة بشدة، ما ورد في التقرير حول وجود استهداف عرقي لمكونات بعينها. واعتبرت أن هذا الطرح يفتقر إلى المنطق، خاصة في ظل وجود قيادات بارزة داخل “تحالف تأسيس” تنتمي إلى نفس هذه المكونات.

وأكدت أن مثل هذه السرديات تمثل خطراً حقيقياً على النسيج الاجتماعي، لأنها تعزز الانقسامات وتغذي الصراع. كما رأت أن إدراج هذا البعد في التقرير يكشف عن محاولة لصناعة رواية تخدم أجندات معينة، وليس توصيف الواقع كما هو.

انتقائية فاضحة.. تجاهل الجرائم الحقيقية

اتهمت الحكومة التقرير بتجاهل انتهاكات جسيمة في مناطق أخرى، خاصة تلك الواقعة تحت سيطرة الجيش، مثل الجزيرة والكنابي، بالإضافة إلى أحداث مستشفى الضعين والمجلد.

كما كشفت أن المنظمة رفضت تضمين ردها الرسمي داخل التقرير، وهو ما اعتبرته دليلاً على غياب الحياد، وتعمد تقديم صورة ناقصة للرأي العام الدولي.

هذا الاتهام يعزز من سردية الحكومة بأن التقرير لم يكن موضوعياً، بل انتقائياً، يركز على جانب واحد ويتجاهل جوانب أخرى لا تقل أهمية.

نيالا عاصمة القرار الإنساني

في تحول لافت، أعلنت الحكومة أن مدينة نيالا ستكون مركز القرار الإنساني، وأن أي منظمة ترغب في العمل داخل مناطقها يجب أن تنسق مباشرة مع السلطات المحلية.

هذا القرار يعكس رغبة واضحة في إعادة تنظيم العمل الإنساني، وضمان أن يتم وفق أولويات ميدانية، وليس عبر قنوات بعيدة عن الواقع. كما يمثل خطوة نحو تعزيز السيادة، وتقليل الاعتماد على مراكز القرار الخارجية.

ويرى مراقبون أن هذا التحول قد يغير شكل العمل الإنساني في دارفور، ويعيد توزيع الأدوار بين الفاعلين.

قواعد جديدة.. لا فوضى بعد اليوم

السياسات التي أعلنتها الحكومة تضمنت مجموعة من الإجراءات التنظيمية، أبرزها إلزام المنظمات بفتح مقار داخل مناطق العمل، ورفض أي تنسيق يتم عبر جهات أخرى، إضافة إلى إخضاع التقارير لمراجعة فنية دقيقة.

كما لوّحت باتخاذ إجراءات قانونية ضد أي جهة تتجاوز هذه القواعد، في خطوة تعكس جدية الحكومة في فرض النظام.

هذه الإجراءات تهدف بحسب المسؤولين  إلى ضمان الشفافية، ومنع استغلال العمل الإنساني لأغراض سياسية، وهو ما يمثل تحولاً مهماً في طريقة إدارة هذا الملف.

خبراء: تأسيس تعيد التوازن

في قراءة داعمة، أكد عدد من الخبراء أن ما تقوم به حكومة “تأسيس” يتسق مع القوانين الدولية، التي تمنح الدول الحق في تنظيم العمل الإنساني داخل أراضيها.

وأشار الخبير محمد عبدالله حسين إلى أن الحكومة أظهرت مرونة وانفتاحاً أكبر مقارنة بسلطات بورتسودان، التي ظلت  بحسب وصفه  تعرقل العمل الإنساني وتفرض قيوداً بيروقراطية.

كما لفت إلى وجود تقارير عن استهداف قوافل الإغاثة في بعض المناطق، مما يعزز من أهمية وجود سلطة تنظيمية قوية تضمن سلامة العمل الإنساني.

من الإغاثة إلى الاستقلال

ضمن رؤيتها المستقبلية، أعلنت وزارة الصحة عن خطة استراتيجية تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، والتحول من الاعتماد على المساعدات إلى بناء نظام صحي مستدام.

هذه الرؤية تعكس تحولاً في التفكير، حيث تسعى الحكومة إلى بناء قدرات وطنية قادرة على مواجهة الأزمات، وتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي، الذي قد يكون مشروطاً أو مسيساً.

حسم المعركة.. من يملك الحقيقة؟

في ختام هذا المشهد المعقد، يتضح أن ما جرى في نيالا لم يكن مجرد رد على تقرير، بل إعلان عن معركة أوسع تتعلق بمن يملك رواية الحقيقة.

حكومة “تأسيس” اختارت أن تواجه، وأن تطرح روايتها بقوة، مستندة إلى ما تعتبره وقائع ميدانية، في مواجهة تقارير دولية ترى أنها منحازة.

وفي ظل هذا التصعيد، يبقى التحدي الأكبر هو الوصول إلى الحقيقة، بعيداً عن التوظيف السياسي، وبما يضمن حماية المدنيين وتحقيق العدالة.

لكن ما هو واضح حتى الآن، أن مرحلة جديدة قد بدأت… مرحلة لا تُدار فيها الملفات الإنسانية من الخارج فقط، بل من داخل الميدان، وبصوت الحكومة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!