رأي

تعيين رئيس القضاء: كسر الاحتكار وبداية اختبار العدالة الحقيقية

يعقوب التجاني المحامي

 

يعقوب التجاني إبراهيم  المحامي

لم يكن تعيين مولانا إدريس النور شالو كموني رئيسًا للقضاء، ومولانا بابكر أبكر آدم عبد النور نائبًا له، مجرد قرار إداري عابر في سياق ترتيبات الدولة، بل يمثل في جوهره تحولًا عميقًا ذا دلالات سياسية وقانونية، يعلن نهاية مرحلة طويلة من احتكار السلطة القضائية داخل دوائر محددة ارتبطت تاريخيًا بما يُعرف بـ”الشريط النيلي”.

على امتداد أكثر من ستة عقود منذ استقلال السودان، ظل منصب رئيس القضاء يدور في إطار نخب ضيقة لا تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوداني، ولا تمثل أقاليمه التي عانت التهميش والإقصاء، رغم أن هذا الاحتكار لم يكن مؤسسًا بنصوص دستورية صريحة، بل تشكّل كعرف غير مكتوب، ترسّخ بفعل ممارسات متراكمة داخل بنية الدولة المركزية.

اليوم، ومع صعود شخصية قضائية من جنوب كردفان (جبال النوبة) إلى رئاسة القضاء، وتعيين نائب له من جنوب دارفور، يُكسر هذا العرف لأول مرة بصورة واضحة، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز الرمزية إلى إعادة تشكيل وعي الدولة بمفهوم التمثيل داخل مؤسساتها السيادية.

غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه ليس من أين جاء رئيس القضاء ونائبه، بل: هل سيتغير القضاء فعلاً؟

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن القضاء في السودان لم يكن يومًا معزولًا عن التأثيرات السياسية، بل تأثر في كثير من مراحله بتوازنات القوة، وخضع بدرجات متفاوتة لهيمنة الدولة المركزية، التي احتكرت القرار والثروة والوظيفة العامة. ومن ثم، فإن الحديث عن حياد القضاء دون معالجة هذه الجذور البنيوية يظل طرحًا نظريًا لا يلامس جوهر الأزمة.

في هذا السياق، يكشف هذا التعيين عن حقيقتين أساسيتين:

أولاهما، أنه لم يكن هناك في الأصل نص قانوني يمنع أبناء الأقاليم المهمشة من الوصول إلى قمة الهرم القضائي.

وثانيتهما، أن هناك منظومة غير مرئية، لكنها فعّالة، كانت تحول دون ذلك عمليًا، وهو ما يوضح خطورة ما كان قائمًا أكثر من أي نص مكتوب.

من زاوية الفقه الدستوري الحديث، يمكن قراءة هذه الخطوة ضمن مفهوم “العدالة التمثيلية” (Representative Justice)، وهو مبدأ برز في تجارب الدول الخارجة من النزاعات، حيث لا تكتفي العدالة بالحياد الشكلي، بل تسعى أيضًا إلى عكس التنوع الاجتماعي داخل مؤسساتها.

ففي جنوب أفريقيا، عقب نهاية نظام الفصل العنصري، أُعيد تشكيل المحكمة الدستورية لتشمل قضاة من خلفيات متعددة بعد أن كانت حكرًا على فئة بعينها. وفي كينيا، جاء دستور 2010 بإصلاحات جوهرية، من بينها تعزيز شفافية تعيين القضاة وضمان تمثيل الأقاليم المختلفة، إلى جانب إنشاء مفوضيات قضائية مستقلة، في مقاربة لا تبتعد كثيرًا عن فكرة المجلس العدلي المؤقت في السياق السوداني الراهن.

وعليه، فإن تعيين شالو ونائبه لا ينبغي أن يُقرأ كحدث إداري أو حتى قانوني فحسب، بل كرسالة سياسية واضحة المعالم، مفادها:

1. أن السودان لم يعد قابلًا للحكم بعقلية المركز الواحد والنخب المغلقة.

2. أن احتكار الدولة، بأي صورة من صوره، لم يعد ممكنًا في ظل التحولات الجارية

3. أن الأقاليم التي ظلت مهمشة لعقود أصبحت اليوم جزءًا فاعلًا في معادلة السلطة.

لكن، في المقابل، تظل الحقيقة الأهم أن العدالة لا تُمنح بقرارات، بل تُبنى عبر مؤسسات قوية، مستقلة، وقادرة على تجاوز إرث التسييس والاختلال.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي: ليس في كسر الاحتكار فحسب، بل في تحويل هذا التحول إلى ممارسة مؤسسية راسخة تُعيد الثقة في القضاء، وتضعه في موقعه الطبيعي كحارس للحقوق وسيادة القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!