رأي

الإتحاد السوداني إن أمكن ذلك 

خالد فضل

 

خالد فضل 

  ليس كل ما يتمناه المرء يدركه , عبارة واقعية جدا , فقد سادت أهازيج وأدبيات سودانية كثيرة عبر عقود الإستقلال , تتحدث عن الوحدة الوطنية وتمجدها وتحسنها بينما كانت كل الوقائع والممارسات على الأرض تسير في الإتجاه المضاد تماما لما يتم التغني به وتمنيه . فموضوع الوحدة الوطنية من الموضوعات التي تستحق التوقف عندها طويلا وسبر غورها , فقد ظلت كثير من الأدبيات السياسية والمواثيق تضعها في مقدمة بنودها , فيما ظلت بيانات وأدبيات الدول والهيئات الإقليمية والدولية تشير إليها باستمرار على أنها واحدة من الثوابت . فهل هي كذلك على الأرض ؟ وهل يشعر مواطنو السودان بهذه الوحدة المزعومة . 

في الوقائع التاريخية والتجربة الراهنة ينكشف الغطاء عن هذا المصطلح الرغبوي , نال السودان حق تقرير المصير عن دولتي الاستعمار الثنائي وفق اتفاق سياسي هش وتواطؤ اللحظات الأخيرة بين ثلاث تيارات متباينة هي تيار نيل الإستقلال عن بريطانيا والوحدة الفورية مع مصر , وتيار الإستقلال الكامل عن البلدين المستعمرين , ثم تيار ثالث يمثله النواب الجنوبيون في الجمعية التأسيسية ينادي بتأجيل نيل الإستقلال لحين حدوث توازن تنموي بين الشمال والجنوب . ما حدث في عضون الأيام الأخثرة من شهر ديسمبر 1955م هو إبداء نوايا أكثر منه قناعات راسخة , وبالنتيجة استقل:انفصل الجنوب _أي ثلث مساحة السودان تقريبا_ بعد 55سنة على إتفاق إبداء النوايا الوحدوية يومذاك , فيما ظلت نوازع الوحدة والإتحاد مع مصر حاضرة عبر صيغ مختلفة منها ظهور حزب سياسي باسم وحدة وادي النيل قوامه الأساس المواطنون من سكان ضفاف النيل , ومنها اتغاق التكامل مع مصر , واتفاقات الدفاع المشترك ثم بروز دعوة سياسية مؤخرا على وقع الحرب الراهنة تنادي في الولاية الشمالية تحديدا بالانضمام إلى مصر وترك جمل السودان بما حمل , وقد أشار إلى ذلك الأستاذ خليفة عسكوري في مقال له نشر قبل بضعة أشهر . وقد عبّر بعض المواطنين في منطقة دلقو المحس عن نظرتهم للوحدة الوطنية في موكب مشهور كانت شعاراته تطالب بطرد ورفض وجود النازحين من إقليمي دارفور وكردفان في منطقتهم .

ما الوحدة الوطنية التي تتحدث عنها الأدبيات السياسية ؟ فإذا وضع المتأمل الخارطة البشرية للسودانيين في الجهات الأربع وفحص تطلعات الناس ومصالحهم الإجتماعية والثقافية والإقتصادية وحاول رسم أسهم تشير إلى إتجاه تلك التطلعات لأكتشف دون عناء كثير إلى أن وجهتها تسير في إتجاه عابر للحدود , إلى دول الجوار وما بعدها , إنّ المجموعات البشرية المشتركة بين الولاية الشمالية مثلا وصعيد مصر تؤكد تلك الفرضية , اللغة مشتركة والعادات وصلات الرحم وامتدادات العوائل والأسر بين شمال السودان وصعيد مصر لا نعترف بالخطوط الوهمية للحدود على الخرائط . في الشرق حيث لا تخفى الصلات مع إرتريا مثلا لدرجة أن المجموعات المسلحة تتدرب هناك من أجل المشاركة في الحرب الأهلية السودانية إلى جانب القوات المسلحة للدولة السودانية أي دولة الوحدة الوطنية !! أما في العرب فإن أكثر من 30مجموعة تمتد أواصرها إلى غرب السودان عبر الحدود حتى دولة النيجر ونيجيريا والكاميرون , وكذا الحال في الجنوب السوداني حيث الأرتباطات الإثنية والثقافية أوضح ما تكون مع العمق الإفريقي الجنوبي والجنوب شرقي للسودان . سؤال بسيط وعفوي , ما الذي يجمع هذه المجموعات بأسهم صلاتها المتجه في اتجاهات مغايرة ؟ الإجابة واضحة . المصالح , والمصالح ليست عيبا يوارى , بل هي وقائع الحياة اليومية , فعندما يشاهد شخص في ديار التعايشة مثلا التلفزيون التشادي وهو يعرض فقرات ومشاهد من صور حياته اليومية بطقوسها وملابسها وبرامجها المعتادة وارتباطاتها المعيشية بالرعي والمناسبات الإجتماعية كلأفراح والمآتم , ثم لا يجد أي ملمح من كل ذلك في فضائية تلفزيون أم درمان كيف تتكون لديه مفاهيم الوحدة الوطنية ؟ كيف يساق إلى ترديد عبارات خاوية المضمون عن الوحدة الوطنية من جانب متحزلقين يتراصون هلى كراسي الاستديو حتى لو كانوا ينشدون شعرا , إنهم يتحدثون بلهجة لا يفهم كثيرا من مفرداتها ناهيك عن محتواها . وعندما يجد أحدهم أن من أوجه النقد لمقررات المدارس الإبتدائية وجود أسماء لشخصيات مثل اساغة باعتبارها أسماء غريبة على الأذن الوطنية السودانية , كيف يكون هو شخصيا يحمل جينات الوحدة الوطنية بين جنبيه وإلا أعتبر خارجا أو متمردا أو مرتزقا خائنا للوحدة الوطنية .

ذلك هو الوجع الكبير , الدولة السودانية لم تبن على أسس أنها دولة هذه التعددية بكل أوجهها , فقد سادها وهم العروبة والأسلمة القسرية حتى بات هذان المصطلحان من مفتتات الناس وممزقهم أي ممزق . وصارت الوحدة الوطنية رهنا بالخضوع لهما والتسليم بهما كقدرين لا فكاك منهما . ولعل الحركة الإسلامية الموسومة بالإرهاب محليا وإقليميا ودوليا قد شكلت ذروة سنام هذه الأزمة الماحقة بإعتبارها الممثل الأقوى لهذين المصطلحين تحديدا . وقد خاضت بجنودها ومليشياتها في حرب الجهاد الإسلامي ضد الكفرة الفجرة من المواطنين السودانيين المشركين كما هو ثابت من وقائع الدولة السودانية تلك الدولة التي يتباكى عليها البكاة من بعض المثقفين السودانيين وبعض أجهزة المخابرات الإقليمية !!

لقد حان أوان جرد الحساب فيما يسمى الوحدة الوطنية , بتفصيل ممل وسرد للوقائع وليس عبر عاطفة جيّاشة تلهبها الأغاني والأهازيج التي كلها باللغة العربية في بلد يوصف بالتعددية اللغوية فهل سأل سائل إن كان في بقية اللغات السودانية مثل تلك الأغاني والأهازيج عن الوحدة الوطنية ؟

لماذا لا يتم النظر من خارج الصندوق , عوضا عن التمسك بما لم يتحقق فعليا , في تقديري يمكن النظر في إنشاء أو تأسيس إتحاد سوداني جديد , يقوم بين الأقاليم بحر إرادة شعوبها , وفي ذلك تفاصيل تشمل كل شئ , على أن تكون رمزية ذلك الإتحاد السوداني فقط في رأس دولة يمكن أن يكون مكونا من مجموعة أشخاص يمثلون تلك الأقاليم المتحدة ويتناوبون الرئاسة شهريا مثل الإتحاد السويسري . يمكن تطوير الأدبيات المبذولة الآن مثل ميثاق السودان التأسيسي أو ميثاق المبادئ السوداني وما يشابهها من أطروحات , لنجرب الطرق المختلفة للوصول إلى بناء دولة سودانية وطنية متحدة تستحق فعلا القول بأنها دولة محترمة وكفاية استسهال واستهبال .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!