
عماد جدو
يتابع عشاق كرة القدم حول العالم هذه الأيام فعاليات كاس العالم التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية .وكندا. والمكسيك وتضم هذه النسخة عدد ثمانية واربعون فريق يمثلون قارات العالم. وسوف نسلط الضوء علي منتخب الأرجنتين الذي ينظر اليه بإعجاب لما يقدمه من مستويات فنية عالية، من جميع شعوب العالم. غير أن كثيرين يلاحظون ظاهرة لافتة تتمثل في الغياب شبه الكامل للاعبين المنحدرين من أصول إفريقية في المنتخب الأرجنتيني الذي يضم اللاعبين من أصول بيضاء. مقارنة بدول أمريكية لاتينية أخرى كالبرازيل وكولومبيا والأوروغواي. هذا المشهد يثير تساؤلات تاريخية وسياسية حول التحولات الديموغرافية التي شهدتها الأرجنتين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وكيف تشكلت هوية الدولة الحديثة على أسس ثقافية وعرقية محددة.
فالأرجنتين لم تكن خالية من السكان السود في مراحل تاريخية سابقة، بل تشير دراسات تاريخية إلى وجود مجتمعات إفريقية مؤثرة في المدن الكبرى خلال الحقبة الاستعمارية وما بعدها. لكن عوامل متعددة، من بينها الحروب والأوبئة وسياسات الهجرة الأوروبية الواسعة، أسهمت في تراجع حجم هذه المجموعات وذوبانها تدريجياً داخل المجتمع الأرجنتيني.بالرقم من تشكيلها نسبة ثلث سكان الأرجنتين قبل المأئة عام السابقة .وقد ارتبط مشروع بناء الدولة هناك لفترة طويلة بفكرة “الأوربة” وتقديم الأرجنتين باعتبارها دولة ذات هوية أوروبية متميزة داخل أمريكا اللاتينية.لم يشارك سواء ثلاثة لاعبين فقط من أصول سوداء طيلة فترة المئة عام الماضية .
ورغم اختلاف الظروف التاريخية والسياسية بين الأرجنتين والسودان، فإن الجدل السوداني الراهن حول الهوية والدولة يعيد إلى الأذهان مخاطر المشاريع التي تسعى إلى تعريف الوطن من خلال لون أو عرق أو ثقافة واحدة. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه الطويل، يمثل أحد أكثر البلدان تنوعاً في القارة الإفريقية، حيث تتداخل فيه الهويات العربية والإفريقية والنوبية والبجاوية والفوراوية والزنجية وغيرها من المكونات التي شكلت شخصيته الوطنية عبر القرون.
لقد ظلت بعض التيارات السياسية والثقافية في السودان تطرح تصوراً للدولة يقوم على مركزية هوية محددة، وهو ما أنتج أزمات متراكمة من التهميش والإقصاء وعدم الاعتراف بالتنوع. وتتهم هذه التيارات أحياناً بأنها تسعى إلى إعادة إنتاج دولة النخبة التاريخية التي احتكرت السلطة والثروة والرمزية الثقافية، فيما يصف منتقدوها هذا المشروع بأنه محاولة لبناء دولة “النهر والبحر” على حساب بقية الأقاليم والمكونات السكانية.
إن أخطر ما تواجهه الدول متعددة الأعراق والثقافات ليس التنوع في حد ذاته، بل محاولة إنكار هذا التنوع أو التعامل معه باعتباره مشكلة يجب التخلص منها. فالتجارب الإنسانية أثبتت أن مشاريع الهندسة الديموغرافية وصهر المجتمعات قسراً أو إقصاء مكونات بعينها تؤدي في النهاية إلى النزاعات والحروب والانقسامات، بدلاً من بناء الاستقرار والوحدة الوطنية.
ومن هنا فإن الدرس الذي ينبغي أن يستفيده السودانيون من تجارب العالم المختلفة هو أن الدولة الحديثة لا تُبنى على أساس نقاء عرقي أو تفوق ثقافي، وإنما على مبدأ المواطنة المتساوية والاعتراف بالتعدد واحترام الحقوق السياسية والثقافية لجميع المجموعات السكانية.
إن السودان الجديد الذي يحلم به الملايين لا يمكن أن يكون دولة لون واحد أو ثقافة واحدة أو جهة واحدة، بل دولة تتسع للجميع، حيث يصبح الانتماء للوطن مقدماً على الانتماءات الضيقة، وتكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، لا العرق ولا اللون ولا الجغرافيا.
وفي زمن تتصاعد فيه خطابات الكراهية والاستقطاب، تظل مسؤولية النخب السياسية والفكرية هي الدفاع عن مشروع الدولة الجامعة، لا إعادة إنتاج الصراعات التاريخية تحت مسميات جديدة. فالأمم التي تتعلم من دروس التاريخ تتقدم، أما الأمم التي تكرر أخطاءه فإنها تظل أسيرة لدورات لا تنتهي من الانقسام .




