رأي

احتمالات توقف الإمداد الإيراني للسودان بالعتاد العسكري بعد ضربة 13 يونيو الموجعة

عباس احمد السخي

 

في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، ألقت
الضربات الإسرائيلية-الأمريكية على إيران في 13 يونيو 2025 بظلالها على ديناميكيات العلاقات الخارجية الدولية، وخاصة التعاون العسكري بين إيران والسودان. يستعرض هذا المقال مجالات التعاون العسكري بين البلدين، ويحلل تأثير الضربات على هذا التعاون، مع تقييم قدرة إيران على مواصلة دعم حكومة عبد الفتاح البرهان بالطائرات المسيرة، ومدى ارتباط شروط وقف إطلاق النار بالدعم الإيراني للحلفاء الإقليميين، وأخيرًا، درجة إعاقة هذه الضربات للقدرات الإيرانية.

مجالات التعاون العسكري بين
السودان وإيران

تاريخيًا، شهدت العلاقات العسكرية بين السودان وإيران تقلبات كبيرة. في عام 2008، وقّع السودان وإيران اتفاقية تعاون عسكري خلال زيارة وزير الدفاع الإيراني مصطفى محمد نجار للخرطوم، شملت تبادل الخبرات العسكرية والتدريب. ركز هذا التعاون على دعم إيران للسودان بتكنولوجيا الطائرات المسيرة والأسلحة الخفيفة، مع تقارير تشير إلى أن إيران زودت السودان بطائرات “مهاجر” و”شاهد” المسيرة خلال الفترة التي سبقت قطع العلاقات في 2015. ومع ذلك، بعد انضمام السودان إلى التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن عام 2015، تدهورت العلاقات مع إيران، حيث قلّص السودان تعاونه العسكري مع طهران بسبب الضغوط الإقليمية.
منذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان عام 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، برزت تقارير عن تجدد التعاون العسكري مع إيران. وفقًا لمصادر استخباراتية، عززت إيران دعمها لحكومة البرهان بإمدادات من الطائرات المسيرة مثل “شاهد 136” و”مهاجر-6”، التي استخدمها الجيش السوداني لتعزيز قدراته الجوية ضد قوات الدعم السريع. هذه الطائرات، التي تُعد رخيصة نسبيًا وقادرة على تنفيذ هجمات دقيقة، ساهمت في تغيير ميزان القوى في بعض المعارك، خاصة في أم درمان والخرطوم. كما شمل التعاون تدريبًا عسكريًا ودعمًا لوجستيًا، مع التركيز على تعزيز قدرات السودان في إنتاج الأسلحة محليًا.

تأثير الضربات الإسرائيلية-الأمريكية
على التعاون العسكري

الضربات التي شنتها إسرائيل بدعم أمريكي في 13 يونيو 2025 استهدفت منشآت نووية وعسكرية إيرانية رئيسية، بما في ذلك نطنز وفوردو وأصفهان، إلى جانب قتل قادة بارزين في الحرس الثوري مثل حسين سلامي. وبحسب تقارير من معهد دراسات الحرب (ISW)، ألحقت هذه الضربات أضرارًا كبيرة بقدرات إيران على إنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، حيث دُمرت مواقع إنتاج الوقود الصلب للصواريخ ومعدات تصنيع الطائرات المسيرة.
هذه الضربات أثرت بشكل مباشر على قدرة إيران على تصدير الأسلحة، بما في ذلك الطائرات المسيرة إلى السودان. دمرت إسرائيل أكثر من 70 نظام دفاع جوي إيراني، مما جعل طهران أكثر عرضة للهجمات المستقبلية وقلل من قدرتها على حماية خطوط إمدادها العسكرية. كما أن استهداف مواقع إنتاج الطائرات المسيرة، مثل تلك المرتبطة بتزويد حلفاء إيران في المنطقة، قد يحد من إمدادات السودان بالطائرات المسيرة على المدى القصير والمتوسط.
ومع ذلك، لم تُدمر الضربات القدرات الإيرانية بالكامل. تشير تقارير إلى أن إيران نقلت جزءًا من مخزونها من اليورانيوم المخصب ومعدات التصنيع قبل الضربات، مما يعني أنها تحتفظ بقدرات إنتاج محدودة. علاوة على ذلك، فإن خبرة إيران المتراكمة في تطوير الطائرات المسيرة منذ عقود تجعلها قادرة على إعادة بناء بعض خطوط الإنتاج، وإن كان ذلك سيستغرق وقتًا وموارد مالية كبيرة.

قدرة إيران على دعم حكومة البرهان بالطائرات المسيرة

رغم الأضرار التي لحقت بقدرات إيران العسكرية، فإن طهران لا تزال تملك القدرة على دعم حكومة البرهان، وإن كان بوتيرة أقل. إيران لديها شبكة من الوكلاء الإقليميين والدوليين، مثل بيلاروسيا، التي قد تساعدها في إعادة بناء خطوط الإمداد. كما أن إيران قد تعتمد على مخزونها الحالي من الطائرات المسيرة لتلبية احتياجات السودان، خاصة إذا اعتبرت دعم البرهان جزءًا من استراتيجيتها للحفاظ على النفوذ الإقليمي. ومع ذلك، فإن الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الضربات، بما في ذلك استهداف منشآت نفطية مثل حقل بارس الجنوبي، قد تحد من قدرة إيران على تخصيص موارد مالية كافية لهذا الدعم.

شروط وقف إطلاق النار وتأثيرها على
دعم الحلفاء

وقف إطلاق النار المعلن في 23 يونيو 2025، والذي توسطت فيه الولايات المتحدة، لم يتضمن شروطًا واضحة تمنع إيران من دعم حلفائها الإقليميين مثل السودان أو الحوثيين. ومع ذلك، اشترطت الولايات المتحدة وإسرائيل وقف إيران لتخصيب اليورانيوم كشرط لاستمرار الهدنة، مع تهديدات باستئناف الضربات إذا أعادت إيران بناء برنامجها النووي. هذا الشرط يركز بشكل أساسي على البرنامج النووي وليس على دعم إيران للوكلاء الإقليميين، مما يعني أن إيران قد تواصل تقديم الدعم العسكري للسودان طالما لم يتم ربط ذلك صراحةً بشروط الهدنة.

درجة إعاقة القدرات الإيرانية

الضربات الإسرائيلية-الأمريكية أضعفت إيران عسكريًا واقتصاديًا، لكنها لم تقضِ على قدراتها بالكامل. دمرت الضربات حوالي 15,000 جهاز طرد مركزي في نطنز، لكن منشأة فوردو لم تتضرر بشكل كبير. كما أن مقتل قادة بارزين في الحرس الثوري، مثل أمير علي حاجي زاده، أثر على القيادة والسيطرة، لكنه لم يوقف القدرات التشغيلية بشكل نهائي. إيران لا تزال تملك شبكة من الحلفاء، مثل الحوثيين والميليشيات العراقية، التي يمكن أن تساعدها في الحفاظ على نفوذها الإقليمي، وإن بدرجة أقل

احتمالات توقف الإمدادات العسكرية
للسودان

1. السيناريو الأول: التوقف المؤقت
قد تؤدي الضربات إلى تعليق مؤقت للإمدادات العسكرية الإيرانية للسودان بسبب الأضرار التي لحقت بخطوط الإنتاج والضغوط الاقتصادية. إيران قد تعطي الأولوية لإعادة بناء قدراتها الداخلية على حساب دعم الحلفاء البعيدين مثل السودان.
2. السيناريو الثاني: الاستمرار بوتيرة مخفضة
من المرجح أن تواصل إيران دعم السودان، لكن بكميات أقل من الطائرات المسيرة والأسلحة، معتمدة على مخزونها الحالي أو على شبكاتها الإقليمية. هذا الدعم قد يكون رمزيًا للحفاظ على النفوذ الإيراني في إفريقيا.
3. السيناريو الثالث: تحول استراتيجي
إذا زادت الضغوط الدولية على إيران، قد تلجأ إلى تقليص دعمها العسكري للسودان والتركيز على حلفاء أكثر استراتيجية، مثل الحوثيين أو حزب الله، خاصة إذا شعرت طهران أن دعم البرهان لم يعد مجديًا اقتصاديًا أو سياسيًا.

الخلاصة

الضربات الإسرائيلية-الأمريكية في يونيو 2025 أضعفت قدرات إيران العسكرية، بما في ذلك إنتاج الطائرات المسيرة، مما يهدد استمرارية إمداد السودان بالعتاد العسكري. ورغم ذلك، فإن إيران لا تزال تملك القدرة على تقديم دعم محدود لحكومة البرهان، مستفيدة من مخزونها الحالي وشبكتها الإقليمية. شروط وقف إطلاق النار لم تتناول دعم إيران للحلفاء بشكل مباشر، مما يمنح طهران هامشًا للمناورة. ومع ذلك، فإن الضغوط الاقتصادية والعسكرية قد تدفع إيران إلى إعادة تقييم أولوياتها، مما يجعل توقف الإمدادات العسكرية للسودان احتمالًا واردًا على المدى المتوسط. يبقى المستقبل مرهونًا بردود فعل إيران وقدرتها على استعادة قدراتها في ظل التحديات الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!