
علي سانتينو
لم تكن سيطرة قوات الدعم السريع على هجليج حدث عادي؛ كانت أشبه بصفعة عنيفة سقط معها آخر قناع لمنظومة حكمت السودان بالخديعة والاحتيال، منظومة امتصت ثروة البلاد كما تمتص الطفيليات اخر نقطة دم في جسدٍ يحتضر. اللحظة التي هربت فيها قوات البرهان جنوباً تاركةالحقل النفطي دون مقاومة كانت لحظة انهيار كامل ليس لموقع جغرافي، انهيار مشروع عاش على السرقة والتجنيب والمال الأسود أكثر من اي شكل من أشكال الدولة!
طوال ثلاثين عاماً، كان السودان يعيش في ظل دولتين، دولة معلنة فقيرة متهالكة، وعاجزة عن بناء حتى مدرسة أو مستشفى، ودولة سرية ثرية تتغذى على سرقة النفط، وتُدار في غرف مغلقة تخصص المليارات لتمكين منظومة لا ترى في الشعب إلا رقماً مزعجاً في دفتر السلطان. فالنفط، الذي كان يجب أن يكون قاطرة التنمية والازدهار، تحوّل إلى ماكينة ضخّ تخدم بقاء النظام السياسي وحده. فقد جُنّب المال بعيداً عن وزارة المالية حتى تحوّل السودان إلى بلد فقير، بينما المليارات تنزل في الحسابات الخاصة، تُصرف على شبكات الولاء وجيوش الإعلام، وعلى صناعة نخبة تعيش فوق القانون. ما يقرب فوق 70% من عائدات النفط لم يصل منها شيء إلى المواطن، جميعها ذهب في تمويل أجندات سياسية، وتسليح ميليشيات، وإشعال صراعات قبلية وحروب خارج الحدود، ودعم سخي لتنظيمات اسلاموية كانت البلاد آخر همّها!
فقد تجاوز الامر عمليات الفساد إلى مستوى فضائحي لا يمكن تصوره ابداً، وحين انفصل جنوب السودان ظهرت الحقيقة التي حاول النظام دفنها، فقد وجدت ان هناك أنبوباً نفطياً بكامل معداته وكمياته كان مخفياً عن السجلات الرسمية، وأن كميات كبيرة من النفط كانت تُنهب وتُهرّب بعيداً عن أعين الدولة. لم يكن ما يجري فساد مسؤولين، كان اقتصاداً خفياً يعمل كجهاز دموي موازٍ للدولة نفسها!
ومع سقوط هجليج اليوم، سقطت بنك الدولة السرية الذي عاش عليه نظام الاسلامويين ثلاثين عاماً. لم يعد بيده المال الذي يشتري به ولاءات المتكالبين على السلطة، ولا الموارد التي يموّل بها شبكات الفوضى، ولا ما يغذي به الآلة الإعلامية التي كانت تلمّع الفتنه والخراب وتغطي رائحته النتنة بأحاديث الدين والشعارات. منظومة كانت تتظاهر بالقوة، لكن فقد تبيّن أنها كانت تقف على قدم واحدة، هي قدم البترول. وحين ضُربت هذه القدم، انهار البناء كله دفعة واحدة!
إن هروب جيش البرهان من هجليج الى جنوب السودان لم يكن ضربة عسكرية فقط، بل كان إقراراً بفشل مشروع تنظيمي كامل. مشروع كان يعتقد أنه محصّن بالبقاء، وأن شبكات المال التي بناها ستمنحه الخلود السياسي. لكنه لم يفهم أن المال حين يُنهب لا يحمي أحداً، وأن الثروة حين تتحول إلى ملكية حزبية عقائدية لا تضمن بقاء الدول بل تسقطها الابدي!
اليوم، فقد مشروع الإسلام السياسي آخر خزائنه السرية، آخر شريانه، وآخر سلاحه. فقد انتهى زمن شراء الولاءات، وانتهى زمن تمويل الحروب من أموال البترول، وانتهى زمن استخدام موارد السودان كحساب شخصي لمجموعة صغيرة قررت أن تجعل الدولة مزرعة، والشعب رعية، والثروة حكراً على من يرفع شعارها! لكن الأخطر أن البلاد اليوم مهدد بأن تعيد إنتاج المأساة إذا ورثت أي قوة فاسدة ذات الاموال واستخدمته بالمنطق ذاته، منطق النهب والاحتكار، وإعادة إنتاج دولة الظل. ان اللحظة التي يعيشها السودان الآن ليست لحظة نشوة سياسية، بل لحظة مفصلية إمّا أن تُعاد ملكية النفط إلى الشعب، أو يُعاد تدوير الفساد في يد لاعب جديد.
إن سقوط هجليج يجب أن يُقرأ كإعلان نهاية مرحلة الدولة التي تعيش في العلن بجسد ضعيف، وفي السر بجسد مترهل، مرحلة الاقتصاد المخبأ، والأنابيب المخفية، والموازنات التي تُدار بالهاتف لا بالقانون. هذه اللحظة يجب أن تكون بداية بناء دولة حقيقية تعرف الناس بحقوقهم، وتعرف الثروة طريقها إلى المواطن، لا إلى الغرف المغلقة. فالسودان لن يتحرر ما لم تتحرر ثروته.ولن ينهض ما لم تُقطع يد المنظومة التي حولت موارد البلاد إلى مزرعة خاصة ورصيد سياسي. هجليج لم تكشف ضعف جيش انهار أو خطأ تكتيكي، هي كشفت الحقيقة التي حاولوا دفنها ثلاثة عقود وأن السودان كان يُنهب بلا خجل، وأن الدولة كانت مجرد واجهة، والشعب آخر من يُحسب له حساب.




