رأي

هل يسقط المجتمع الدولي في فخ المعسكرات المزيّفة؟

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في كل حرب تظهر الحقيقة دامية وبسيطة ثم يأتي من يحاول تغليفها بكذبة مرتّبة تُباع للمجتمع الدولي على أنها رواية إنسانية

وفي حرب السودان تحوّلت صناعة المعاناة إلى مشروع تمويل وصار إنشاء المعسكرات الكاذبة تجارة مربحة تتقاطع فيها السياسة بالإعلام بالإغاثة

الكذبة الأولى نزوح أهالي دارفور إلى الدبّة

انتشرت رواية أن نازحي الفاشر وصلوا إلى الدبّة والعفاض في شمال السودان

أي سوداني يفهم الجغرافيا والحرب يدرك استحالة ذلك

لا توجد ممرات آمنة ولا وقود ولا طرق مفتوحة

والأقمار الصناعية لم ترصد أي حركة

لكن المجتمع الدولي لا يتردد في تصديق أي قصة مكتوبة بعناية

الكذبة الثانية بابنوسة والأبيض وتقرير الجزيرة المسحوب

بثّت قناة الجزيرة تقريرا عن نزوح مواطنين من بابنوسة إلى الأبيض بسبب دخول قوات الدعم السريع

وبعد دقائق سحبته

لم يكن هناك نزوح حقيقي، بل مشهد مصطنع لتصوير أزمة غير موجودة

سؤال الأمم المتحدة أين هم النازحون

في 11 نوفمبر طرح مكتب المفوض السامي سؤالا محرجا

من هم نازحو الفاشر الذين ظهروا فجأة في الدبّة والعفاض وكيف وصلوا دون أن ترصد الأقمار الصناعية أي حركة

بعد أيام ظهرت الإجابة عبر شهادات محلية

لا نزوح من الفاشر

بل تجميع منظم لأشخاص من مناطق قريبة لإنتاج صورة معسكر تُباع للمجتمع الدولي كحقيقة إنسانية

تكرر المشهد نفسه في الأبيض حيث ظهر نزوح جديد من بابنوسة

انكشف أنه المعسكر الوهمي الثالث داخل المدينة

هذه المعسكرات تُستخدم لفتح قنوات التمويل القادم من

وكالات الأمم المتحدة

منظمة الأغذية والزراعة

صندوق النقد الدولي

منظمة الهجرة الدولية

منظمة العمل الدولية

اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة

وغيرهم من المانحين

المعسكر الوهمي أصبح أداة تمويل وليس مأساة إنسانية

لماذا يتم استخدام أهل الهامش في هذه العروض

الهامش تم تجريده عبر عقود من أدوات مقاومته

لا نفوذ سياسي، لا صوت إعلامي، ولا حماية من أن يُستخدم جسده وروايته في عروض إنسانية مفبركة

أهل الهامش الحلقة الأضعف سياسيا وإعلاميا

تُستغل سحنتهم لتمرير صورة الضحية الجاهزة

لا يملكون رفاهية الاعتراض

وجودهم يجذب التمويل الدولي بسرعة

المجتمع الدولي يحمل تصورات عنصرية ناعمة

وقصتهم تُروى دائما عبر الآخرين وليس عبرهم

الأكسسوارات الإنسانية حتى متى

استمر استخدام أهل الهامش كأدوات في عروض سياسية وإعلامية هدفها صناعة روايات جاهزة تخدم مصالح محددة على حساب الحقيقة ومعاناة الناس

يتم تجميع أصحاب سحنات بعينها ودفعهم إلى معسكرات مصطنعة ثم تقديم صورهم للعالم كدليل على نزوح جماعي أو كارثة إنسانية بلا سند على الأرض كما حدث في أكاذيب نزوح أهل دارفور إلى مدينة الدبة

تسرب الإغاثة إلى السوق يزيد من معاناة الناس ويحوّل العمل الإنساني إلى باب جديد من الفساد والربح

الفساد في الإغاثة وتحويل الشاحنات إلى تجارة

الإغاثة الممهورة بـ NOT FOR SALE تُباع في الأسواق

الدواء يتبخر في الطريق، الغذاء يُهرّب، والبطاقات توزّع وفق الولاء لا وفق الحاجة

والمجتمع الدولي يواصل الدوران داخل ذات الدائرة، يعرف الفساد ويتجاهله ثم يطلب تقارير جديدة من نفس الجهات الفاسدة

السؤال الأخير هل يسقط المجتمع الدولي في الفخ

يسقط عندما يكتفي بالصورة دون الحقيقة

عندما يقبل الرواية الجاهزة دون فحص

عندما يسمح للمعسكرات الكاذبة بأن تتحول إلى وسيلة تمويل لحرب لا تنتهي

المجتمع الدولي مطالب اليوم بالتحقق من كل تقرير، ومراقبة توزيع الإغاثة، والتأكد من أن التمويل يصل إلى المستحقين الحقيقيين، وليس إلى معسكرات وهمية أو مشاريع سياسية

على الأمم المتحدة والجهات المانحة أن توقف الانخداع بالمظاهر، وتتعامل مع الواقع الميداني بكل دقة وشفافية، حتى لا تتحول المعاناة الإنسانية إلى أداة للاستغلال والربح، وحتى لا يكون ثمن عملهم استمرار حرب السودان العبثية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!