ردّا على بيان المتحدث باسم الرئاسة المصرية: السيادة السودانية ليست ملفًا تابعًا للأمن القومي المصري
كلمة التنوير

كلمة التنوير
إن البيان الصادر عن المتحدث باسم الرئاسة المصرية بشأن الأوضاع في السودان لا يمكن قراءته إلا بوصفه تدخّلًا سافرًا في الشأن السوداني الداخلي، ومحاولةً لإعادة إنتاج وصاية إقليمية مرفوضة تجاوزها الزمن، وتتعارض صراحةً مع مبادئ السيادة الوطنية والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
حديث مصر عن “خطوط حمراء” في السودان يكشف عقلية استعلائية خطيرة، كأن السودان ساحة نفوذ أو مجال حيوي تابع، لا دولة مستقلة ذات سيادة كاملة وإرادة شعبية حرة. الأمن القومي المصري شأن مصري خالص، ولا يمنح القاهرة أي تفويض أخلاقي أو قانوني لتحديد مستقبل السودان، أو رسم حدوده السياسية، أو التدخل في خيارات شعبه تحت أي ذريعة.
إن ربط الأمن القومي المصري بالأمن القومي السوداني، على هذا النحو الابتزازي، ليس تعبيرًا عن تضامن أخوي كما يُراد له أن يبدو، بل محاولة مكشوفة لتسييس الأزمة السودانية وحشرها داخل حسابات القاهرة الاستراتيجية، ولو على حساب دماء السودانيين ومعاناتهم وحقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
أما رفض مصر “الكيانات الموازية” والتشديد على “الحفاظ على مؤسسات الدولة”، فهو حديث انتقائي يفتقر إلى المصداقية، في ظل تاريخ معروف من دعم أنظمة استبدادية ومؤسسات عسكرية في السودان، كانت ولا تزال أحد الأسباب الجوهرية لانهيار الدولة وتمزقها. لا يحق لمن ساهم في تعقيد الأزمة أن ينصّب نفسه وصيًا على وحدة البلاد.
وما هو أخطر، هو تلويح مصر باتخاذ “كافة التدابير والإجراءات” استنادًا إلى اتفاقيات ثنائية أو القانون الدولي. هذا التهديد المبطن يمثل تصعيدًا غير مقبول، ويعكس نزعة تدخلية تتناقض مع مبدأ حسن الجوار، وتفتح الباب أمام زعزعة استقرار الإقليم بأسره، لا حمايته.
السودان ليس حديقة خلفية لأحد، وليس ملفًا أمنيًا في أدراج القاهرة. السودان دولة ذات سيادة، وشعبه وحده من يملك حق تقرير مستقبله السياسي وشكل دولته ومؤسساته، دون وصاية أو إملاءات خارجية، أياً كان مصدرها.
وأخيرًا، إذا كانت مصر حريصة حقًا على السودان، فلتتوقف عن لغة التهديد والخطوط الحمراء، ولتنحاز بوضوح إلى إرادة الشعب السوداني، لا إلى معادلات الهيمنة والاستقرار الزائف. السيادة لا تُجزّأ، والكرامة الوطنية ليست محل تفاوض.




