رأي

السُّودان ومصر تصدير “الموارد والثروات” مقابل استيراد “النفايات وسّراطين الأزمات

مهدي عبدالله حامد

 

مهدي عبدالله حامد 

حريَّ بنا القول أن المشهد السُّوداني الماثل أمامنًا لا يمكن قراءته بمعزل عن استنزاف الموارد الذي تمارسه جارة السوء، ولعلنا نُدرك اليوم أن السودان بات في حالة من الانكشاف والضعف التي جعلت خيراته تُنهب في وضح النهار، فصدقًا إن المأساة تكمن في أن هذا الوطن المعطاء يمثل نموذجا صارخا لبيت الشعر القائل “كالعير في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول” فلا غرو أن هذه الحالة من “الظمأ الاقتصادي” هي قدرنا، فهي نتاج لسياسات واعية من مصر الفرعونية أفرغت المخزون الوطني لتمتلئ به خزائن الغير، وبما أن السيادة الوطنية قد تآكلت بفعل تماهي نخبة المركز مع أجندات خارجية، وجراء هكذا أوضاع بات المُحتمل أن تستمر هذه الدائرة المفرغة من النهب المنظم ما لم تنتفض الإرادة الشعبية ضد هذا الواقع المرير.

 

وريثما ننظر في كشف الحساب التجاري بين البلدين، نجد أن السودان يصدر أثمن ما تملك الأرض من ذهب خالص، وماشية هي الأجود عالميا، ومحاصيل نقدية كالصمغ العربي والسمسم والقطن والحبوب الزيتية، ولكن ومن المؤسف حقا، إبّان خروج هذه الموارد عبر الحدود الشمالية، تخلع ثوبها السوداني لترتدي زيًا مصريًا، حيث يُعاد تغليفها وتصديرها إلى أسواق الخليج والاتحاد الأوروبي وأمريكا، وحتى الدول الآسيوية، تحت اسم “صنع في مصر” حقا إنها عملية احتيال كبرى تسرق العرق السوداني وتنسب الفضل لغير أهله، بيد أن الفاجعة الكبرى تتجسد في المقابل الذي يحصل عليه السودان، ولا ريب أن مصر ترد الجميل بالقبح، فتغرق الأسواق السودانية بنفايات صناعية ومخلفات معاد تدويرها، لا تستوفي أدنى معايير الجودة العالمية، ولئن كان السودان يغذي المصانع المصرية بالخام النظيف، فإن تلك المصانع تعيد له منتجات كيميائية وغذائية غير مضبوطة، تسببت في تفشي أمراض الفشل الكلوي والسرطانات والأورام الخبيثة ونزيف المعدة بين المواطنين السودانيين خلافا لما تروج له الخطابات الدبلوماسية الناعمة، فإن الواقع يتحدث عن تصدير “سراطين الأزمات” السياسية والأمنية من القاهرة نحو الخرطوم

 

وعلى نقيض ما تستفيد مصر من الموارد المنهوبة، تعمل جاهدة على وأد أي مشروع وطني سوداني يسعى للاستقلال الاقتصادي، وذلك عبر تدخل سافر في الشؤون الداخلية ودعم نخب سياسية تدين بالولاء للمركز المرتبط عضويا بالمصالح المصرية، إلا أن هذا الاستنزاف لم يقتصر على المادة، كما لو أن الجار الشمالي يرى في استقرار السودان تهديدا لمكتسباته التاريخية في الموارد المنهوبة، وما لبث أن تحولت الحدود إلى معابر لنقل الأزمات المفتعلة، مما يعزز من حالة التفتت الداخلي، صدقا إن السودان اليوم يدفع ثمن جودته وعطائه من صحة أبنائه واستقرار أراضيه، وهو أمر يتطلب وقفة صلبة تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ليبقى الذهب سودانيا، ولتتوقف سموم “النفايات المعاد تدويرها” عن حصد أرواح الأبرياء.

 

فإن الاستمرار في هذا المسار الانتحاري يعني الموت البطيء لدولة كانت مرشحة لتكون سلة غذاء العالم، وعلى الرغم من ذلك فاننا نراهن على الوعي الشعبي وهو السلاح الوحيد المتبقي لانتشال السودان من فخ الاستقطاب والنهب، حيث أن التاريخ لن يرحم من فرط في موارد الأجيال القادمة مقابل فتات من السلع الملوثة والأدوار السياسية المشبوهة، وبما أن الحقوق لا توهب بل تُنتزع، فإن فك الارتباط الاقتصادي المشوه مع مصر بات ضرورة وجودية لا تقبل التأجيل، ليبقى السودان وطنا شامخا بموارده، محميا بإرادة بنيه، بعيدا عن تدخلات “نخبة المركز” وأوهام التبعية القاتلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!