
نجوي بابو
ليست الثورات مجرد لحظات غضب جماعي، ولا هي انفجارات عاطفية عابرة في وجه الظلم؛ بل هي، في جوهرها، محاولة تاريخية لإعادة تأسيس الشرعية السياسية والأخلاقية على أسس جديدة. ولذلك فإن أخطر ما يهدد أي مشروع ثوري ليس فقط عنف السلطة المضادة، وإنما التآكل البطيء الذي يصيب داخله: تآكل الثقة، خسارة الحلفاء، تمكين الانتهازية، تولية المناصب لغير الكفاءات، وإقصاء المجتمعات الريفية والهامشية من دوائر القرار المصيري. تلك ليست أعراضًا جانبية، بل إشارات بنيوية إلى احتمال انحراف المشروع عن غايته الأصلية.
وفي السودان، حيث تتشابك المظالم التاريخية مع الهشاشة المؤسسية والتنوع الاجتماعي والثقافي العميق، تصبح هذه المؤشرات أكثر خطورة، لأنها لا تهدد تنظيمًا سياسيًا بعينه، بل تهدد فكرة المشروع الوطني الجامع نفسها.
في الفلسفة السياسية، لا تستمد الثورات شرعيتها من القوة، وإنما من الثقة العامة في عدالتها الأخلاقية وقدرتها على تمثيل الإرادة الشعبية. فالثقة ليست قيمة معنوية فحسب، بل هي عقد سياسي ضمني بين الجماهير والقوى التي تدّعي تمثيل تطلعاتها. وحين تبدأ هذه الثقة بالتآكل، تدخل الثورة مرحلة خطرة تتحول فيها من مشروع تحرر جماعي إلى ساحة صراع نفوذ ومصالح، ويصبح السؤال المركزي لدى الناس ليس: كيف ننتصر؟ بل: لصالح من يجري كل هذا؟.
في السودان، ظهر هذا التآكل حين بدأت بعض القوى تتعامل مع النقد الداخلي بوصفه خيانة، ومع الاختلاف السياسي باعتباره تهديدًا وجوديًا. وهنا تتبدل طبيعة المشروع من فضاء تعددي إلى بنية مغلقة تخشى المراجعة أكثر مما تخشى الفشل. والثورة التي تفقد قدرتها على نقد ذاتها، تفقد تدريجيًا قدرتها على تجديد شرعيتها.
أي مشروع ثوري حقيقي يحتاج إلى تحالف اجتماعي واسع يضم القوى المدنية والمهنية والشبابية والمناطق المهمشة والمكونات الثقافية المختلفة. فالثورات لا تنتصر بالأغلبية العددية فقط، بل بالقدرة على بناء كتلة وطنية تاريخية تتجاوز الانقسامات الضيقة. لكن حين تسود لغة الإقصاء والتخوين، يبدأ الحلفاء الطبيعيون بالانسحاب، ليس بالضرورة لأنهم ضد الثورة، بل لأنهم لم يعودوا يرون أنفسهم شركاء فيها.
وهذه لحظة خطيرة للغاية في السودان تحديدًا، لأن الدولة السودانية عانت تاريخيًا من أزمة مركز وهامش، ومن فشل النخب في بناء عقد وطني عادل. لذلك فإن أي مشروع ثوري يعيد إنتاج الهيمنة أو يحتكر الحقيقة السياسية، يكرر ولو بشعارات جديدة نفس البنية التي قامت الثورة أصلًا ضدها. فالثورة التي لا تتسع للتنوع السوداني، لن تستطيع بناء سودان جديد، بل ستعيد تدوير الأزمة بأسماء مختلفة.
ومن أخطر مظاهر هذا الخلل استمرار اتخاذ القرارات المصيرية داخل دوائر نخبوية مغلقة، بعيدًا عن المجتمعات الريفية والقطاعات الشعبية التي دفعت الكلفة الأكبر من الحرب والتهميش والانهيار الاقتصادي. فكيف يمكن لمشروع يدّعي تمثيل الشعب أن يعيد إنتاج المركزية نفسها التي طالما اشتكى منها السودانيون؟
لقد تحولت كثير من الاجتماعات السياسية إلى مؤتمرات معزولة داخل القاعات المغلقة والفنادق الفخمة، حيث تُناقش قضايا مصيرية تخص ملايين الناس بعيدًا عن واقع القرى والأرياف ومعسكرات النزوح وأطراف المدن المهمشة. وهناك تتشكل القرارات بلغة سياسية مجردة، منفصلة عن المعاناة اليومية للناس الذين يواجهون الجوع والنزوح وانعدام الخدمات وانهيار الأمن.
هذه الفجوة بين النخبة والواقع ليست مجرد مشكلة تنظيمية، بل أزمة أخلاقية وسياسية عميقة. لأن الثورة التي لا تسمع صوت الريف والهامش، ولا تُشرك المجتمعات المحلية في صناعة القرار، تتحول تدريجيًا إلى مشروع فوقي يعيد إنتاج الاستبعاد القديم بأدوات جديدة.
إن المجتمعات الريفية في السودان ليست مجرد قواعد جماهيرية يتم استدعاؤها وقت الحشد، بل هي جزء أصيل من الشرعية الوطنية، وصاحبة مصلحة مباشرة في شكل الدولة ومستقبلها. وإقصاؤها من مراكز القرار يعني عمليًا استمرار احتكار السياسة داخل دائرة ضيقة من النخب، مهما رفعت تلك النخب من شعارات التغيير.
وحين تضعف المؤسسات الثورية وتغيب الشفافية، تتقدم الانتهازية إلى الواجهة. والانتهازية ليست مجرد فساد فردي، بل تعبير عن انهيار المعايير الأخلاقية والسياسية داخل المشروع نفسه. ففي اللحظات الثورية المضطربة يظهر دائمًا من يتاجر بالشعارات، ويحوّل التضحيات العامة إلى مكاسب شخصية أو فئوية. وعندما تصبح الولاءات أهم من الكفاءة، والعلاقات أهم من المبادئ، تبدأ الثورة في فقدان مضمونها التحرري.
الخطر الأكبر أن الانتهازية غالبًا ترتدي لغة ثورية حادة، وتقدّم نفسها باعتبارها الأكثر إخلاصًا، بينما هي عمليًا تفرغ المشروع من قيمه الأساسية: العدالة، الحرية، والمساءلة. ومن هنا فإن غياب المحاسبة داخل أي بنية ثورية لا يؤدي فقط إلى أخطاء سياسية، بل إلى تفكيك المعنى الأخلاقي للثورة ذاتها.
ومن أخطر التحولات التي تصيب أي مشروع ثوري أن يبدأ في استبدال معيار الكفاءة بمعيار الولاء. ففي تلك اللحظة، لا تتعرض الإدارة العامة وحدها للضعف، بل تتعرض الفكرة الأخلاقية للثورة نفسها للاهتزاز. فالثورات لا تقوم لإسقاط أشخاص فقط، وإنما لإسقاط طريقة كاملة في إدارة الدولة والمجتمع. وعندما تُمنح المناصب الحساسة لغير المؤهلين تحت ذرائع القرب السياسي أو المحاصصات الضيقة، فإن الثورة تعيد إنتاج ذات المنظومة التي ثارت ضدها، وإن غيّرت خطابها وشعاراتها.
في السودان، حيث تعاني مؤسسات الدولة أصلًا من الهشاشة والتآكل، تصبح الكفاءة مسألة مصيرية لا مجرد خيار إداري. فالمسؤول غير المؤهل لا يفشل وحده، بل يضعف ثقة المجتمع في المشروع الوطني بأكمله، ويمنح خصوم الثورة فرصة التشكيك في قدرتها على بناء دولة حديثة وعادلة. وحين يرى المواطن أن المناصب تُوزّع كمكافآت سياسية لا كمسؤوليات وطنية، يتراجع الإحساس بالعدالة، ويحلّ الإحباط محلّ الأمل، ثم يتحول المجال العام إلى بيئة خصبة للسخرية واللامبالاة والانقسام.
كما أن تهميش أصحاب الكفاءة لصالح أصحاب الولاء يؤدي تدريجيًا إلى نشوء طبقة جديدة تحتكر النفوذ باسم الثورة، بينما تعيد في الواقع إنتاج الفشل القديم نفسه بوجوه مختلفة. فالدول لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالمؤسسات والكفاءات والقدرة على الإدارة الرشيدة. والثورة التي تضع الولاء فوق الكفاءة، تفتح الباب واسعًا أمام الانهيار الإداري، ثم الفوضى، ثم عودة الاستبداد بأشكال جديدة.
أحد أخطر الانحرافات في التجارب الثورية هو الاعتقاد أن الشرعية الثورية تبرر تجاوز القانون أو تعطيل مبادئ العدالة. بينما الحقيقة أن الثورة التي لا تؤسس لسيادة القانون، تفتح الباب لولادة استبداد جديد. وفي السياق السوداني، يصبح بناء قواعد قانونية عادلة ضرورة وجودية لا ترفًا نظريًا، لأن غياب القانون العادل في دولة متعددة ومعقدة كالسودان يعني العودة إلى منطق القوة والغلبة والسلاح.
كما أن معركة الثورة ليست سياسية فقط، بل ثقافية أيضًا. فالثورات لا تغيّر الأنظمة وحدها، بل تسعى لتغيير الثقافة السياسية التي أنتجت الاستبداد. وحين تسود ثقافة التخوين والاستعلاء واحتكار الوطنية، تبدأ الثورة بإعادة إنتاج نفس البنية النفسية للسلطة التي ثارت ضدها. لذلك يحتاج السودان إلى ثقافة سياسية جديدة تقوم على الاعتراف بالتعدد، واحترام الاختلاف، وقبول النقد، والمساواة الرمزية بين المركز والهامش.
التاريخ يعلمنا أن الثورات نادرًا ما تُهزم فقط بالقوة العسكرية؛ كثير منها انهار حين فقد بوصلته الأخلاقية، وحين تحولت القيادة إلى غاية بدل أن تبقى وسيلة. وفي السودان، تبدو المعركة اليوم أعمق من مجرد صراع على السلطة؛ إنها معركة حول معنى الدولة، ومعنى العدالة، ومن يملك حق تمثيل المستقبل.
إن تآكل الثقة، وخسارة الحلفاء، وتمكين الانتهازية، وتولية غير الأكفاء، وإقصاء المجتمعات الريفية من صناعة القرار ليست تفاصيل عابرة، بل إنذارات مبكرة بأن المشروع الثوري قد يفقد روحه الجامعة. وأي ثورة تفقد روحها الأخلاقية، ستفقد تدريجيًا قدرتها على إقناع الناس بأنها البديل الذي يستحق التضحية. لذلك فإن المهمة العاجلة ليست فقط إسقاط الاستبداد، بل منع تسربه إلى داخل البنية الثورية نفسها. لأن الثورة الحقيقية لا تُقاس فقط بما تُسقطه، بل بما تبنيه من قيم ومؤسسات وعدالة وأفق إنساني جديد.




