ثقوب سوداء في طريق الجوعي كيف تتسرب الإغاثة من ممرات النجاة إلى أسواق الحرب؟
تحقيق صحيفة التنوير : إعداد MCN

تحقيق صحيفة التنوير إعداد MCN
في بلد ينهشه الجوع وتطحنه الحرب، لا تبدو المساعدات الإنسانية مجرد طرود غذائية أو شحنات دواء، بل تتحول إلى اختبار لمعنى العدالة والضمير والمسؤولية. فما بين مخازن مغلقة وأسواق مفتوحة ومراكز إيواء ينهكها الانتظار، يكشف هذا التقرير مساراً مقلقاً لمساعدات يفترض أن تنقذ الأرواح لكنها تضيع في عتمة المصالح لتطرح سؤالاً لا يحتمل الصمت “كيف يمكن أن يصل العون باسم الجوعى، ثم لا يصل إليهم؟ “
التنوير اعداد: الشبكة الإعلامية المدنية – MCN
مقدمة
في السودان، حيث تتقاطع الحرب مع الجوع والنزوح وانهيار الخدمات لم تعد الأزمة الإنسانية تقاس فقط بحجم الاحتياجات أو عدد القوافل التي تدخل البلاد، بل أيضاً بقدرة تلك المساعدات على الوصول فعلياً إلى من صممت من أجلهم “المدنيين المتضررين، والنازحين، والأسر التي فقدت مصادر عيشها تحت ضغط النزاع”.
يكشف هذا التقرير عن مؤشرات مقلقة بشأن ثغرات في إدارة وتوزيع المساعدات الإنسانية وسط شهادات تفيد بأن مواد غذائية وطبية يفترض أن توزع مجاناً على المتضررين ظهرت في بعض الأسواق كسلع تجارية، وبين الروايات الرسمية التي تتحدث عن إجراءات إدارية ومخزونات فائضة وشهادات نازحين وتجار ومصادر محلية تؤكد وجود مواد إغاثية معروضة للبيع، تبرز أسئلة جوهرية حول الشفافية، والرقابة، وسلامة سلاسل الإمداد الإنساني.
لا يقدم التقرير أحكاماً نهائية بشأن جميع الوقائع، لكنه يرصد نمطاً متكرراً من الشبهات والإفادات المتقاطعة، فالقضية لا تتعلق بواقعة بيع واحدة ولا بخطأ إداري معزول، بل بمنظومة معقدة تتداخل فيها مؤسسات رسمية وسلطات محلية ووسطاء وتجار، وجهات ذات نفوذ في بيئة حرب تراجعت فيها المساءلة وتعددت مراكز القرار.
في جوهره يطرح التقرير سؤالاً إنسانياً وقانونياً “كيف يمكن لمساعدات وصلت باسم الجوعى والنازحين أن تظهر في الأسواق قبل أن تصل إلى مستحقيها؟ ومن المسؤول عن حماية حق المدنيين في الغذاء والدواء والمأوى في بلد يواجه واحدة من أقسى أزماته الإنسانية؟”
النيل الأبيض: واقعة محلية تكشف أزمة أوسع
عادت قضية تسريب وبيع مواد الإغاثة إلى الواجهة بعد الجدل الذي أثارته واقعة بيع كميات من السكر والدقيق في ولاية النيل الأبيض. ووفق معلومات متداولة محلياً، فإن الكميات محل الجدل بلغت نحو أربعة عشر ألف جوال شملت السكر والدقيق، وسط اتهامات بأنها كانت مخصصة لدعم النازحين والمتضررين من الحرب، وتكتسب الواقعة أهميتها من كون ولاية النيل الأبيض تستقبل أعداداً كبيرة من الفارين من مناطق النزاع بما في ذلك دارفور والخرطوم ومناطق أخرى، وفي مثل هذا السياق لا تمثل المواد الغذائية دعماً ثانوياً، بل قد تكون الوسيلة الوحيدة لبقاء أسر فقدت مساكنها ومصادر دخلها وشبكاتها الاجتماعية.
في المقابل، أصدرت وزارة المالية بولاية النيل الأبيض بياناً توضيحياً نفت فيه أن تكون المواد المباعة جزءاً من برامج الإغاثة مؤكدة أن الأمر يتعلق بمخزون فائض من سلة رمضان السابقة، ووفق البيان شمل العطاء سبعة آلاف جوال من السكر زنة خمسين كيلوغراماً وسبعة آلاف جوال من الدقيق زنة خمسة وعشرين كيلوغراماً، وأن عملية البيع تمت وفق إجراءات رسمية لإدارة المخزون. غير أن هذا التوضيح لم يبدد جميع المخاوف، فشهادات محلية وإفادات من غرف الطوارئ المجتمعية وتجار ومصادر ذات صلة بالتحريات تشير إلى أن مواد إغاثية ظهرت في الأسواق وأن هناك حاجة إلى مراجعة مستقلة تحدد مصدر هذه المواد وطبيعة الإجراءات التي تمت والجهات التي أذنت بالبيع ومسار العائدات المالية الناتجة عنه.
غرف الطوارئ: مواد إغاثية ظهرت في الأسواق
بحسب إفادات من غرف الطوارئ المجتمعية فإن مواداً يعتقد أنها مخصصة للمتضررين من الحرب ظهرت في الأسواق وجرى تداولها عبر تجار محليين في وقت كانت فيه أسر نازحة ومحتاجة تؤكد عدم حصولها على حصص كافية أو منتظمة من المساعدات، وتشير هذه الإفادات إلى أن بعض المواد التي يفترض أن توزع مجاناً على النازحين والمتضررين وصلت إلى المحال التجارية حيث بيعت كسلع عادية، وترى مصادر مجتمعية أن حجم الكميات وطريقة عرضها في الأسواق يثيران شبهة وجود مسارات منظمة لتسريب المواد قبل وصولها إلى مستحقيها وليس فقط حالات فردية لمستفيدين باعوا حصصهم بسبب الحاجة إلى السيولة النقدية، وتكتسب إفادات غرف الطوارئ أهمية خاصة لأنها تأتي من جهات محلية تعمل قرب مراكز الإيواء والأحياء المتضررة وتتعامل مباشرة مع الأسر التي تعتمد على المساعدات الإنسانية كوسيلة أساسية للبقاء.
تاجر من النيل الأبيض: عرض بيع مواد إغاثية “بأسعار مغرية”
في إفادة للتقرير قال تاجر من ولاية النيل الأبيض، رمز إلى اسمه ب(ع ع)، إن أحد أصدقائه وهو موظف في حكومة الولاية، اتصل به وعرض عليه شراء كميات من مواد قال إنها إغاثية بأسعار وصفها بـ“المغرية”، مبرراً العرض بالحاجة إلى “سد عجز حكومي في المصروفات”، وبحسب إفادة التاجر فقد وافق على العرض واشترى كميات من المواد ثم أعاد بيعها لاحقاً في السوق، وبرر موقفه بالقول إن ما فعله يندرج من وجهة نظره ضمن “أصول التجارة”، مضيفاً أنه إذا رفض العرض فسيقبله تاجر آخر.
هذه الإفادة التي لم يتسن التحقق المستقل من جميع تفاصيلها، تطرح أسئلة خطيرة حول ما إذا كانت بعض مواد الإغاثة تعامل، في ظروف الحرب والضائقة المالية كاحتياطي قابل للتصرف خارج غرضها الأصلي. كما تثير تساؤلات حول الجهة التي تملك صلاحية بيع هذه المواد وما إذا كانت العائدات تدخل في حسابات رسمية قابلة للمراجعة أم تتحرك عبر قنوات غير شفافة.
إفادة من شرطة المباحث: تحريات تشير إلى موظف حكومي وتوجيهات عسكرية
في إفادة أخرى قال أحد أفراد شرطة المباحث، رمز إلى اسمه ب (م. أ)، إن قوة من المباحث ألقت القبض على عدد من التجار على خلفية الاشتباه في تعاملهم بمواد إغاثية معروضة للبيع في الأسواق، وذكر أن من بين المقبوض عليهم التاجر (ع. م)، الذي أفاد أثناء التحري بأنه اشترى المواد ودفع ثمنها إلى موظف يعمل في حكومة الولاية، وبحسب المصدر ذاته، قادت التحريات إلى الموظف المعني وعند مواجهته أقر وفق إفادة فرد المباحث ببيع المواد، لكنه قال إن التصرف تم بناء على توجيهات من ضابط كبير في الجيش بدعوى سد بعض الاحتياجات العسكرية.
هذه الإفادة إن تأكدت عبر محاضر رسمية وسجلات تحقيق، قد تنقل القضية من مستوى التلاعب الإداري أو التجاري إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق باحتمال استخدام مواد مخصصة للمدنيين في تغطية احتياجات مرتبطة بجهات عسكرية أو أمنية، ومع أن هذه المعلومات تحتاج إلى تحقق قضائي مستقل، فإنها تبرز ضرورة نشر نتائج التحقيقات الرسمية وتوضيح ما إذا كانت هناك إجراءات قانونية اتخذت بحق المتورطين وما إذا كانت الكميات المصادرة قد أعيدت إلى مسارها الإنساني.
شهادات نازحين: “نرى الإغاثة في الأسواق ولا تصل إلينا”
تقول “م. ع”، وهي نازحة من شمال دارفور إلى ولاية النيل الأبيض، إن رحلة النزوح بدأت بعد انتهاكات مروعة دفعتها وأسرتها إلى مغادرة منطقتها بحثاً عن الأمان، ولكنها وجدت نفسها في مركز إيواء يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وتوضح أنها كانت تتلقى مساعدات غذائية في بداية النزوح لكنها لاحظت لاحقاً تراجعاً كبيراً في الكميات وانتظام التوزيع، وتضيف أن ما يصل إلى بعض الأسر لا يكفي سوى أيام قليلة بينما تظهر في الأسواق مواد تحمل شعارات جهات مانحة.
وتقول إن رؤية صناديق الإغاثة في المحال التجارية بينما يعاني الأطفال في مراكز الإيواء من الجوع، تكشف فجوة قاسية بين ما يعلن عن وصوله من مساعدات وما يحصل عليه المحتاجون فعلياً، وهذه الشهادة تتقاطع مع إفادات نازحين آخرين في بورتسودان ومراكز إيواء مختلفة قالوا إنهم سجلوا أسماءهم لدى الجهات المختصة وانتظروا شهوراً لكنهم لم يحصلوا إلا على كميات محدودة أو لم يحصلوا على أي مساعدات.
وفي عدد من الأسواق بحسب إفادات متقاطعة، شوهدت مواد غذائية وطبية تحمل عبارات مثل “يوزع مجاناً” أو شعارات جهات مانحة لكنها كانت معروضة للبيع، وهذه الوقائع لا تشير فقط إلى خلل في التوزيع، بل إلى انهيار في الثقة بين المتضررين والجهات المكلفة بحماية حقهم في الغذاء والدواء والمأوى.
من المخازن إلى الأسواق: سلسلة إمداد مثقوبة
لا يحدث تسرب الإغاثة عادة عبر حلقة واحدة فالمساعدات تمر بسلسلة طويلة تشمل الاستلام، التخليص، النقل، التخزين، الفرز، ثم التوزيع، وكل حلقة من هذه الحلقات يمكن أن تتحول في غياب الرقابة إلى نقطة ضعف تسمح بالتلاعب أو التحويل أو البيع.
تشير الإفادات التي جمعها التقرير إلى عدة مسارات محتملة لدخول المواد إلى الأسواق “مخازن وسيطة، سائقون ووسطاء، موظفون يملكون حق الوصول إلى الشحنات، أو مستفيدون يبيعون جزءاً من حصصهم بسبب الفقر والحاجة إلى النقد”. غير أن التقرير يميز بين حالتين مختلفتين “نازح يبيع جزءاً من حصته لأنه لا يملك مالاً للعلاج أو النقل، وشبكة منظمة تتعامل مع الإغاثة باعتبارها سلعة ربحية”، والأولى تعكس عمق الفقر وانهيار سبل العيش، أما الثانية فتشير إلى اقتصاد موازي ينمو على هامش الحرب ويستفيد من غياب الرقابة.
مفوضية العون الإنساني: اتهامات بخلل إداري وتداخل نفوذ
في إفادة للتقرير، قال موظف في مفوضية العون الإنساني الاتحادية فضل حجب اسمه لأسباب تتعلق بسلامته، إن الأزمة داخل المفوضية لا تقتصر على ملف الإغاثة وحده، بل تمتد بحسب قوله إلى “بيع شهادات وإجراءات للمنظمات الوطنية والأجنبية”، وذكر الموظف أن داخل المفوضية مجموعات لها علاقات مع أطراف خارجية تعمل على تسهيل بعض الإجراءات مقابل منافع مادية أو مصالح متبادلة، وأضاف أن المفوضية في ظل الحرب والفوضى المؤسسية، باتت تعاني من تداخل واسع بين جهات وأفراد ومجموعات متعددة، بعضها لا يعرف على وجه الدقة إلى من يتبع أو لمصلحة من يعمل.
وبحسب إفادته فإن بعض هؤلاء يدعون الانتساب إلى الحركات المسلحة أو الجيش أو المقاومة الشعبية أو المستنفرين أو الشرطة أو حكومات الولايات أو الاستخبارات أو الإدارات الأهلية أو لجان محلية مختلفة، وأشار إلى أنه لا توجد في بعض الحالات آلية واضحة للتحقق من صحة هذه الادعاءات أو ضبط حدود النفوذ والصلاحيات.
هذه الإفادة تفتح باباً أوسع من مجرد تسرب الإغاثة فهي تشير إلى احتمال وجود خلل بنيوي في المؤسسة المكلفة بتنظيم العمل الإنساني وهو خلل قد يؤثر على شرعية تسجيل المنظمات وسلامة التصاريح ونزاهة الإجراءات وثقة المانحين والمجتمعات المحلية.
موظف داخل المفوضية: ضعف الأجور وغياب الرقابة بيئة قابلة للاستغلال
يمضي الموظف ذاته في إفادته قائلاً إن الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها بعض العاملين داخل المفوضية خلقت بيئة قابلة للاستغلال، وبحسب تعبيره فإن المقابل المادي الذي يتلقاه عدد من الموظفين لا يوازي تكاليف الحياة المتصاعدة ما قد يدفع بعضهم إلى تسهيل خروج مواد أو التصرف فيها لتغطية احتياجاتهم الأسرية، ومع ذلك لا يبرر الفقر أو ضعف الأجور المساس بمساعدات مخصصة للمدنيين، فبيع الإغاثة أو تسهيل تسريبها لا يمثل مخالفة إدارية فحسب، بل يهدد حقاً أساسياً للمدنيين في الغذاء والدواء والمأوى.
وأضاف المصدر أن غياب النظم الصارمة وضعف الرقابة وندرة المحاسبة وتعدد الجهات المتداخلة، كلها عوامل شجعت بعض العاملين أو المتعاملين مع الملف الإنساني على تحويل الإغاثة إلى مورد قابل للتصرف، وقال إن الفوضى الحالية تجعل من الصعب أحياناً معرفة المسؤول الحقيقي عن كل شحنة أو تحديد أين تنتهي صلاحية جهة وتبدأ صلاحية أخرى.
بورتسودان: مركز دخول المساعدات وسؤال التوزيع
اكتسبت بورتسودان أهمية خاصة بعد انتقال مؤسسات حكومية إليها عقب اتساع رقعة الحرب، وبحكم موقعها كميناء رئيسي ومنفذ لدخول مساعدات من دول ومنظمات دولية أصبحت المدينة نقطة محورية في ملف الإغاثة، ووفقاً لإفادات محلية وصلت إلى بورتسودان كميات كبيرة من المساعدات الغذائية والطبية والإيوائية عبر الجو والبحر والبر، غير أن عدداً من النازحين في المدينة ومراكز الإيواء أكدوا أنهم لم يحصلوا إلا على القليل منها بينما قالوا إنهم شاهدوا بعضها في الأسواق.
وتورد الشهادات أن أسراً نزحت من الخرطوم ودارفور أقامت لأشهر في مراكز إيواء أو منازل متهالكة دون أن تتلقى ما يكفي من الغذاء أو الدواء أو مواد الإيواء، في المقابل ظهرت في بعض الأسواق منتجات يعتقد الأهالي أنها جزء من المساعدات، بينها مواد غذائية ومعلبات ومستلزمات طبية.
هذه الفجوة بين ما يعلن عن وصوله وما يصل فعلياً إلى النازحين هي جوهر القضية فالسؤال لم يعد فقط “هل وصلت مساعدات إلى السودان؟ بل من استلمها؟ من خزنها؟ من وزعها؟ من راقبها؟ ومن استفاد من غياب الشفافية؟”
تضارب المسؤوليات وتعدد مراكز القرار
تتضح خطورة الملف عند النظر إلى تضارب المسؤوليات بين الجهات الرسمية، وتشير إفادات واردة في التقرير إلى أن المفوض السابق للعون الإنساني نجم الدين موسى، أقر بوجود تسرب للمساعدات خصوصاً الغذائية إلى الأسواق في بورتسودان وبوقوع سرقات لكميات كبيرة من مواد كانت مخصصة لإقليم دارفور، لكنه حمل المسؤولية للجنة متخصصة بالطوارئ الإنسانية قال إنها تولت إدارة ملف المساعدات بشكل كامل وتغولت على صلاحيات مفوضية العون الإنساني.
في المقابل تنفي جهات حكومية أخرى مسؤوليتها المباشرة عن استلام أو توزيع الإغاثة وتقول إن أدوارها تقتصر على الجوانب الإجرائية أو اللوجستية، وبين النفي والإقرار الجزئي وتبادل المسؤوليات تضيع الإجابة الأساسية “من يملك السلطة الفعلية على المساعدات؟ ومن يملك صلاحية التصرف؟ ومن يراجع؟ ومن يحاسب؟”
إن تعدد اللجان والجهات دون نظام رقابي واضح لا يخلق فقط ارتباكاً إدارياً، بل يفتح ثغرات يمكن أن تستغل في تحويل الشحنات أو بيع المواد أو تحميل المسؤولية لجهات أخرى عند انكشاف التجاوزات.
الرواية الرسمية مقابل شهادات السوق
تقول الرواية الرسمية في ولاية النيل الأبيض إن المواد التي بيعت لا علاقة لها ببرامج الإغاثة وإنها كانت مخزوناً فائضاً من سلة رمضان جرى التصرف فيه عبر عطاء وإجراءات إدارية رسمية، وتؤكد وزارة المالية وفق بيانها أن العملية تمت في إطار إدارة المخزون لا في إطار بيع مساعدات مخصصة للنازحين أو المتضررين، لكن في الجهة المقابلة تقدم شهادات السوق وروايات التجار وغرف الطوارئ والمصادر الميدانية صورة أكثر تعقيداً، فهناك إفادات تؤكد أن مواد إغاثية ظهرت في الأسواق وأن تجاراً اشتروا كميات من مواد قيل لهم إنها إغاثة وأن بعض الصفقات تمت عبر موظفين في حكومة الولاية أو عبر وسطاء لهم صلات بجهات نافذة.
وبين الروايتين تبرز فجوة لا يمكن ردمها بالبيانات العامة وحدها فالحسم يتطلب مراجعة وثائقية وميدانية تشمل قرار البيع ووثائق العطاء ومصدر المواد وكشوفات المخازن والجهات التي اشترت أو استلمت والإيصالات ومحاضر التحري ومسار العائدات المالية. فالخلاف هنا لا يدور حول واقعة بيع فقط، بل حول توصيف المواد نفسها “هل كانت مخزوناً رمضانياً فائضاً كما تقول وزارة المالية؟ أم مساعدات إنسانية دخلت مسار السوق كما تقول إفادات محلية ومجتمعية؟”، وهل يمكن الفصل فعلاً بين مخزون حكومي وبرامج إغاثة في بيئة حرب وانهيار مؤسسي وتداخل بين الجهات؟
العمل الإنساني تحت ضغط أطراف الحرب
تكشف الإفادات عن وجه آخر للأزمة يتمثل في تدخل أطراف النزاع والقوى المسلحة في إدارة أو التأثير على مسارات المساعدات، ففي مناطق مختلفة لم تعد الإغاثة شأناً مدنياً خالصاً، بل باتت جزءاً من معادلة السيطرة والنفوذ، وفي بعض المناطق تمر المساعدات عبر لجان وواجهات رسمية وشبه رسمية، وفي مناطق أخرى تفرض سلطات الأمر الواقع ترتيباتها الخاصة على المنظمات من التسجيل والتصاريح إلى الحركة والتوزيع، وهذا الواقع يضع المنظمات الإنسانية أمام معادلة صعبة “إما التفاوض مع الجهات المسيطرة للوصول إلى المدنيين، أو المخاطرة بترك السكان بلا مساعدات”.
لكن هذه الضرورة العملية لا تلغي مخاطر التلاعب ولا تعفي الجهات الإنسانية والمانحين من مسؤولية بناء آليات تتبع ورقابة أكثر صرامة تضمن أن لا تتحول المساعدات إلى أداة نفوذ أو مورد مالي أو وسيلة لعقاب المجتمعات.
حين تصبح الإغاثة مورداً في اقتصاد الحرب
الأخطر في هذا الملف أن تسريب الإغاثة لا يقتصر على خسارة مادية، بل قد يخلق اقتصاداً موازياً قائماً على معاناة المدنيين، فكل علبة غذاء تباع بدلاً من توزيعها وكل دواء يخرج من مساره قبل وصوله إلى مريض وكل خيمة تتحول إلى بضاعة، يعني أن الحرب لم تكتف بتشريد الناس، بل لحقت بهم في آخر ما تبقى لهم من وسائل النجاة، وفي هذا الاقتصاد يصبح الجوع فرصة للربح وتصبح المساعدات المجانية رأس مال غير مشروع، وبدلاً من أن تكون الإغاثة أداة لتخفيف آثار الحرب قد تتحول إلى مورد جديد ضمن شبكات الفساد والولاء والابتزاز، ويزداد الأمر قسوة حين توضع هذه الوقائع في سياق أوسع من المجاعة وانعدام الأمن الغذائي واتساع الاحتياج الإنساني، فأي تسريب للمساعدات لا يعني فقط فساداً مالياً، بل مساهمة مباشرة في تعميق الجوع وإطالة أمد المعاناة.
الحاجة إلى تحقيق مستقل ومساءلة شفافة
رغم كثافة الشهادات والمؤشرات تنفي بعض الجهات الحكومية وسلطات الأمر الواقع مسؤوليتها عن عمليات التسريب أو البيع أو تحويل المسارات، ولذلك فإن الفصل في هذه الوقائع يتطلب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً لا يكتفي بتصريحات عامة أو إفادات منفردة، بل يعتمد على تتبع كامل لسلاسل الإمداد، وينبغي أن يشمل التحقيق مراجعة الكميات المستلمة ومصدر المواد وجهات التخزين وأوامر التحريك ووثائق العطاءات وأسماء الجهات المنفذة ومسارات النقل وقوائم المستفيدين والإيصالات المالية ومحاضر التحريات، مع حماية الشهود والمبلغين والمستفيدين من أي انتقام.
كما ينبغي فتح تحقيقات جنائية وإدارية في الوقائع التي تتضمن بيعاً أو سرقة أو تحويل مسار ومساءلة كل من يثبت تورطه سواء كان موظفاً حكومياً أو وسيطاً أو تاجراً أو عضواً في جهة مسلحة أو منظمة محلية. أما الجهات المانحة فعليها ألا تكتفي بتسليم الشحنات عند الميناء أو المعبر، بل يتعين عليها تطوير آليات تتبع مستقلة وفرض شروط شفافية صارمة وتمكين المجتمعات المحلية من الإبلاغ الآمن عن التجاوزات.
خاتمة: السؤال الذي لا يجوز دفنه
في السودان اليوم لا تبدأ مأساة الجوع من نقص الغذاء وحده، بل من اختفاء الغذاء الذي وصل بالفعل، وهذا هو جوهر الأزمة “مساعدات تدخل البلاد باسم الضحايا، ثم تفقد طريقها قبل أن تصل إليهم”. ليست القضية في صندوق دقيق أو جوال سكر أو عبوة دواء فحسب، بل في منظومة كاملة تسمح بأن يتحول الحق في الحياة إلى سلعة وأن تصبح معاناة النازحين سوقاً مفتوحة لمن يملكون النفوذ والقدرة على الإفلات من العقاب.
إن تسريب الإغاثة في زمن الحرب ليس مخالفة إدارية فقط بل إنه اعتداء على أكثر الفئات هشاشة وتقويض صريح لفكرة العمل الإنساني، وما لم تفتح ملفات المحاسبة بشفافية سيبقى السؤال معلقاً فوق مراكز الإيواء والأسواق والمخازن “أين ذهبت المساعدات التي كان يفترض أن تنقذ الجوعى؟”.
الشبكة الإعلامية المدنية – MCN
يونيو 2026




