
صفاء الزين
في الوقت الذي يغرق فيه السودان في انهيار اقتصادي متسارع، يواصل الجنيه السوداني تراجعه الحاد أمام العملات الأجنبية، وتشتعل أسعار السلع الأساسية والوقود والدواء بصورة تجعل الحياة اليومية عبئاً ثقيلاً على ملايين المواطنين. يأتي هذا الانهيار متزامناً مع استمرار الحرب التي تدفع البلاد نحو مزيد من التآكل الاقتصادي والاجتماعي، وتحوّل الأزمات المعيشية من ظواهر طارئة إلى ملامح بنيوية في المشهد السوداني.
وتتحمل سلطة بورتسودان والبرهان بصفة شخصية مسؤولية سياسية واقتصادية مباشرة عن هذا المسار، بعد أن ارتبطت قراراتها الاقتصادية بزيادة اضطراب سوق النقد الأجنبي، فدخول جهات مرتبطة بالبرهان وسلطته في شراء الدولار من السوق الموازي لتغطية احتياجات الوقود أسهم في رفع الطلب على العملة الصعبة، ودفع سعر الصرف إلى مستويات قياسية خلال فترة وجيزة، الأمر الذي عمّق حالة الانفلات النقدي وأفقد الأسواق ما تبقى من القدرة على التنبؤ والاستقرار.
ويكشف مسار العملة حجم التدهور بصورة أكثر وضوحاً، ففي عام 2023م كان سعر صرف الدولار يدور حول 500 جنيه سوداني، بينما تجاوز اليوم حاجز 5000 جنيه، أي بزيادة تقارب 900 في المائة، وفي المقابل، بقيت المرتبات شبه ثابتة، رغم أنها كانت تعاني أصلاً من ضعف قدرتها على تغطية الاحتياجات الأساسية ومع ذلك تتأخر عمليات الصرف، ونتيجة لذلك فقد الجنيه نحو 90 في المائة من قيمته الشرائية أمام الدولار، وتراجعت القوة الشرائية لملايين العاملين والموظفين إلى ما يقارب عُشر مستواها السابق.
هذا التداخل بين السلطة وسوق النقد أخرج الاقتصاد من أي قدرة على التوازن، وجعل المواطن يواجه ارتفاعاً يومياً في الأسعار مقابل دخل تتآكل قيمته بصورة متسارعة، والأسر فقدت قدرتها على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، والموظفون استنزفت دخولهم، والطلاب والنازحون وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الغلاء وانهيار الخدمات الأساسية.
والحرب المستمرة بحسب تصريح البرهان إلى القضاء على آخر “شخص” تمثل العامل الأكثر تأثيراً في تعميق هذا الانهيار، إذ تستنزف الموارد العامة وتعيد توجيه الدولة نحو الإنفاق العسكري، في وقت تتراجع فيه الأولويات الاقتصادية والاجتماعية إلى هوامش الاهتمام. واستمرار الحرب يعني استمرار الضغوط على العملة الوطنية، واتساع دائرة الفقر، وتدهور مستويات المعيشة، وتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع قدرة المجتمع على إنتاج الحد الأدنى من التماسك والاستقرار.
عليه فإن أزمة الجنيه تجاوزت كونها أزمة سعر صرف فحسب، وتحولت إلى أزمة ثقة في قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد وحماية المجتمع، فالعملات لا تنهار بفعل المضاربات وحدها، وإنما تنهار أيضاً عندما يفقد المواطنون والمستثمرون الثقة في المستقبل، وعندما تصبح الحرب هي الإطار الحاكم للسياسات العامة والإنفاق والقرارات الاقتصادية.
وتقع المسؤولية السياسية على عاتق البرهان وسلطة بورتسودان التي اختارت مواصلة الحرب رغم كلفتها الكاملة على الدولة والمجتمع، كما تتحمل الحركة الإسلامية مسؤولية مباشرة في الدفع نحو استمرار هذا الصراع وإدامة شروطه السياسية والاقتصادية، وفي الوقت الذي تتعمق فيه الأزمة، يواصل البرهان مطالبة المواطنين بالصبر، بينما يعيش الناس يومياً نتائج قرارات أدت إلى هذا الانهيار، ويتخبط رئيس وزراء حكومة البرهان بحيث لا سلطة لديه على السياسات المالية ولا قرار له على الولاية المالية ولا معلومة له عما يدور في بنك السودان الذي يسيطر على قراره ومعلوماته وبياناته البرهان .
ختاما: إن أخطر ما يواجه السودان اليوم لا يتمثل في تراجع سعر الجنيه وحده، وإنما في تشكل اقتصاد حرب طويل الأمد يعيد إنتاج الفقر والتهميش ويحوّل الجوع إلى أداة ضغط اجتماعي دائمة، فالمجتمعات التي تُستنزف مدخراتها وتنهار عملاتها وتفقد طبقتها الوسطى تدخل تدريجياً في دائرة هشاشة ممتدة يصعب الخروج منها، لذلك فإن إنقاذ الجنيه يبدأ بوقف الحرب، واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة، وإعادة توجيه الموارد نحو الإنتاج والخدمات والحماية الاجتماعية، لأن الصبر الذي يُطلب من الناس في ظل غياب أفق اقتصادي وسياسي واضح يتحول مع مرور الوقت إلى استنزاف صامت لقدرة المجتمع على الاحتمال والبقاء.




