
عماد جدو
يُعدّ “تاكتيك الحصار” أحد أقدم الأساليب العسكرية في تاريخ الحروب، وتقوم فلسفته الأساسية على مبدأ الاستنزاف التدريجي؛ حيث يتم عزل الهدف جغرافيًا ولوجستيًا لكسر إرادة القتال لدى المدافعين دون الحاجة إلى خوض مواجهات مباشرة مكلفة. وفي التاريخ العسكري السوداني، تبرز مدينة الأبيض كنموذج كلاسيكي لفهم ديناميكيات الحصار، وتطوره من القرن التاسع عشر وصولًا إلى تعقيدات الموقف الراهن.
حصار الأبيض (1882–1883) وعقيدة حرب الاستنزاف
شكلت مدينة الأبيض في أواخر عام 1882 معضلة عسكرية لقوات الإمام محمد أحمد المهدي. فالمدينة لم تكن مجرد مركز إداري للحكم التركي المصري، بل كانت ترسانة عسكرية محصنة بالخنادق والمدافع بقيادة محمد سعيد باشا (“جراب الفول”)
فشل الاقتحام والتحول التاكتيكي: بعد أن تكبد الأنصار خسائر فادحة في محاولات الهجوم المباشر الأولى نتيجة لقوة التحصينات، تجلت المرونة العسكرية في تغيير الاستراتيجية من الصدمة المباشرة إلى الحصار المحكم.
خنق المدينة إنسانيًا ولوجستيًا: قُطعت خطوط الإمداد تمامًا عن الخرطوم، واستُنزفت مخازن الغذاء والذخيرة، مما أدى إلى تفشي المجاعة والأمراض، وهو ما جعل البيئة الداخلية للمدينة عامل الهدم الأول لخطوط دفاعها.
حملة هكس باشا ومعركة (شيكان) ونقطة التحول المفصلية
لم يكن تحرير مدينة الأبيض نتاج الحصار الداخلي فحسب، بل ارتبط بنيوياً بفشل جهود “فك الحصار” من الخارج. وجاءت المحاولة الكبرى عبر جيش “هكس باشا” الذي تم تجميعه.والهدف من هذه الحملة هو القضاء علي جيوش الأنصار وعدم تقدمهم الي الخرطوم. بقيادة الجنرال هكس وهو القائد العسكري وعلاءالدين المسؤل الإداري للحملة
معركة شيكان (نوفمبر 1883): مثّلت هذه المعركة الإبادة الكاملة لجيش الإنقاذ (هكس باشا)، وكان لنتيجتها أثر كارثي على معنويات حامية الأبيض المحاصرة. بتبدد آخر أمل في النجدة الخارجية، سقطت المدينة استسلاماً، لتتحول الأبيض إلى العاصمة الإقليمية الأولى للدولة المهدية، ومخزنها الاستراتيجي للانطلاق نحو حصار الخرطوم وتحريرها في 1885.
ان المقاربة توضح صعوبة موقف مدينة الأبيض بعد سقوط الفاشر وبابنوسة
إذا سحبنا هذا الإرث التاريخي والتاكتيكي على الواقع الحالي، نجد أن مدينة الأبيض تواجه اليوم تحديات مشابهة تضعها تحت مقصلة “الخنق الجيوسياسي”، لاسيما بعد التحولات الميدانية الأخيرة في إقليمي دارفور وكردفان.
خطورة سقوط الفاشر وبابنوسة على موقف الأبيض
تأثير الدومينو وسقوط خطوط الدفاع الخلفية: تاريخياً، سقطت الأبيض بعد انهيار جيش النجدة (هكس). واليوم، فإن تحرير مدينة الفاشر (أكتوبر 2025) بعد حصار دام 18 شهراً، وانهيار الموقف في بابنوسة (مقر الفرقة 22 مشاة)، يعني عسكرياً تفريغ العمق الدفاعي لغرب السودان، وتحرير القوات المهاجمة (قوات تأسيس) لتكثيف الضغط على الأبيض كهدف تالي.
العزل الجغرافي واللوجستي الكامل بينما كانت الأبيض في الماضي معزولة عن الخرطوم، فإنها اليوم بعد تحرير مدينة الفاشر وبابنوسة أصبحت مدينة الأبيض شبه معزولة عن امتدادها الغربي والجنوبي. السيطرة على شبكات الطرق والتقاطعات الحاكمة بين دارفور وكردفان تحرم حامية الأبيض (الهجانة) من أي إمداد بري حيوى، مما يعيد تكرار سيناريو “جراب الفول” عبر تجفيف المنابع.
حرب الاستنزاف وتكلفة الصمود الإنساني: الدرس المستفاد من الفاشر وبابنوسة أن “التحصينات وحده لا تحمي المدن” إذا انقطع الإمداد. طول أمد الحصار يفرض واقعاً إنسانياً كارثياً (مجاعة، وتدهور مريع للخدمات)، مما يحول الكتلة البشرية داخل الأبيض إلى عامل ضغط داخلي على القوات المدافعة، تماماً كما حدث في يناير 1883.
تثبت القراءة التاريخية والمقاربة العسكرية أن مدينة الأبيض هي مفتاح السيطرة على وسط وغرب السودان. في القرن التاسع عشر، كان سقوطها مؤشراً لزوال الحكم التركي المصري؛ واليوم، يضعها سقوط الفاشر وبابنوسة في موقف بالغ التعقيد والخطورة.
إن تاكتيك الحصار، وإن اختلف أدواته بين المهدية والقرن الحادي والعشرين، يظل ثابتاً في جوهره: من يملك القدرة على إبقاء خطوط إمداده مفتوحة، ويحرم خصمه منها، هو من يخطُّ الكلمة الأخيرة في مصير المدن المحاصرة.



