
نجم الدين دريسة
حين تصمت المدافع ينطق التاريخ بالحقائق التي طمسها الطغاة طويلاً
الحقيقة التي لا تخطئها عين حصيفة، ولا تجاريها القراءات المبتسرة أو التبريرات الملتوية المضللة، هي أنه لا توجد حرب بلا كلفة إنسانية باهظة، وأن من يحرص بصدق وعمق على الأوضاع الإنسانية وحق الشعوب في الحياة والكرامة، يجب أن يسعى فوراً وبشجاعة لوقف الحرب من جذورها التاريخية والسياسية والاجتماعية، وليس الضغط الانتقائي المسيس على طرف من الأطراف دون الآخر كما ظل يفعل المجتمع الدولي ومؤسساته المعطوبة. إن هذا الاختزال المخل للأزمات البنيوية المعقدة يمثل تواطؤاً مضمراً مع الباطل، وتغطية صريحة على أسباب المعاناة الحقيقية التي تكابدها الشعوب المقهورة منذ عقود.
لقد خرج علينا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، محثاً مجلس الأمن الدولي على التحرك لمنع ما أسماها كارثة وشيكة في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، ومحذراً من تصاعد الهجمات وضرورة الوفاء بالتزامات حماية المدنيين. هذا الخطاب الأممي، رغم لبوسه الإنساني الخادع، يبدو منفصلاً تماماً عن الواقع السوداني الجذري، ويمضي بغباء أو بتعمد في اتجاه تبني السرديات المرتبطة بـ “دولة 56” وأدبياتها السياسية المأزومة، وقاموسها المليء بالمغالطات ومفرداتها التي صُممت خصيصاً لحماية مصالح نخب مركزية وهيمنة تاريخية ممتدة على حساب بقية أقاليم البلاد الشاسعة.
إن المعضلة الأساسية تكمن في أن المجتمع الدولي، وفي مقدمته بريطانيا التي تعد صانعة الأزمات التاريخية والحدود المأزومة، يتعاطى بانتهازية فجة مع النتائج والمظاهر، ويتعامى بقصد واضح عن أسباب وبذور الأزمة السياسية والاجتماعية في السودان؛ تلك الأزمة البنيوية التي امتدت لأكثر من سبعة عقود من الزمان دون علاج حقيقي. إن محاولة القوى الدولية تطبيع السرديات النخبوية الزائفة وفرضها على الواقع المعاش، هو في حقيقته أمر جلل وخطير، ينذر بتأبيد الصراع وإعادة إنتاج أدوات القهر القديمة وتثبيت ركائز الدولة الظالمة التي أورثت شعوبنا الفقر والجوع والحروب المستمرة وسلبتها حقها في التطور والنماء والعيش الكريم.
الحقيقة التاريخية الواضحة كالشمس في رابعة النهار، والتي ينبغي أن يعرفها ويدركها كل العالم وشعوبه الحرّة، هي أن الشعوب السودانية، وتحديداً في هوامش السودان المختلفة والتي تتجاوز كتلتها البشرية والترابية أكثر من ثمانين في المئة، ظلت تعاني الأمرين. لقد واجهت هذه الأغلبية تهميشاً اقتصادياً ممنهجاً، وإقصاءً اجتماعياً وسياسياً، وتذويباً ثقافياً متعمداً بسبب بنية دولة ما بعد الاستعمار، أو ما يمكن تسميتها بدقة “دولة وكلاء الاستعمار” التي ورثت امتيازات المستعمر الخارجي وحافظت على تركاته القمعية بكل أمانة لتستمر في نهب ثروات الأقاليم وحرمان أصحاب الأرض الحقيقيين من أبسط مقومات الحياة الإنسانية.
والمؤسف حقاً أن هذه الدولة الاحتكارية مارست عبر عقودها السبعة كل أشكال الفساد والاستبداد، والظلم والاضطهاد ضد هذه الشعوب والمجتمعات المستضعفة، ولا تزال تمارس ذات السلوك الإقصائي. لقد وظفت هذه النخبة المسيطرة كل آلياتها ومؤسساتها الرسمية لخلق سرديات زائفة تُجمل القبيح وتُقبح التحرر. إن جيش هذه الدولة ظل يقتل شعوب الهامش بدلاً من حمايتها، وإعلامها يمارس التزييف الممنهج والدعاية السوداء، ومناهجها التعليمية تخدم دولة أوليغارشية عنصرية، وسياساتها العامة قائمة على الإقصاء العرقي والثقافي المستمر، حيث تحول المواطن في الهامش إلى مواطن من الدرجة الثانية لا قيمة لصوته ولا وزن لخياراته في معادلات الحكم والسياسة.
وفي هذا السياق المأساوي الممتد، تبرز ظاهرة شديدة الغرابة والمرارة، وهي إختيار بعض شعوب الهامش للاصطفاف مع جلادها عبر الترهيب والترغيب، وهي حالة لا تعدو إلا كونها محاولة يائسة لاصطفاف الضحية مع الجلاد لذر الرماد في العيون ومحاولة اتقاء بطشه. والمؤسف والمخزي في آن واحد، هو أن الجلاد يوظف ذات التجهيل الممنهج، والظلم، والاقصاء الذي مارسه ضد هذه الضحايا على مدى عقود، لينجح في تحويلهم بلا وعي إلى أدوات طيعة تخدم مشروعه وتدافع عن امتيازات جلادها ومستعبدها؛ في استلاب فكري ونفسي يمثل أقصى درجات سقوط الوعي الإنساني، حيث يرفع المظلوم سلاحه في وجه أخيه المظلوم ليحمي عروش الجلادين الفاسدين الذين لم يروه يوماً إلا خادماً أو وقوداً لحروبهم.
ما لا يريد أن يفهمه العالم، أو يرفض فهمه لحسابات جيوسياسية ونفطية ضيقة، هو أن قوات تحالف السودان التأسيسي ليست مليشيات عابرة أو قوى باحثة عن مغانم سلطوية مؤقتة، بل هي قوات تحرر وطني أصيلة وراسخة الجذور. إنها حركة تصحيحية كبرى تسعى بكل عزم لانعتاق الشعوب المقهورة من ربقة الاستعمار الحديث الذي يمارسه وكلاء الاستعمار بالوكالة. هذا النظام النخبوي الحاكم يمثل أسوأ نظام أبرتهايد وفصل عنصري عرفه العالم على الإطلاق، متجاوزاً في بشاعته وبنيته الإقصائية أي نظام قمعي شهدته البشرية في تاريخها القديم والحديث، حيث تُستغل الهويات لتبرير القتل والتهجير ومصادرة الحقوق الأساسية وتدمير الحياة.
إن ما حدث ويحدث في السودان هو كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة، صُنعت بأيدي نخب المركز التي أدمنت العيش على دماء وتعب وعرق الهامش. وشعوب تحالف السودان التأسيسي، وهي تخوض هذه المعركة المصيرية والتاريخية، إنما تتوق إلى الانعتاق النهائي من هذا الواقع المأساوي الجاثم على صدر الوطن، وتتطلع بكل قوة وتضحية وبسالة إلى فجر الحرية الحقيقية، والسلام المستدام القائم على الندية والاعتراف بالاخر، والعدالة الاجتماعية الشاملة التي لا تميز بين مواطن وآخر على أساس عرق أو قبيلة أو جغرافيا، وهو الهدف الأسمى الذي تبذل في سبيله قوافل الشهداء الدماء الزكية دون تراجع أو مساومة.
ولكن، للاسف الشديد، نجد المجتمع الدولي بمواقفه الملتوية وضغوطه الانتقائية يشجع على مزيد من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، من خلال منح الشرعية الزائفة لمن لا يملكها، وحصار قوى التغيير الحقيقية الجادة في اقتلاع جذور الأزمة السياسية. إن هذا العالم المنافق لم يكلف نفسه يوماً ذكر الإبادة التاريخية العظمى التي حدثت في معركة كرري، حيث اغتيل عشرات الآلاف من أبناء السودان الأحرار بسلاح المستعمر البريطاني وبتواطؤ من أتباعه الخونة اللئام، في مشهد جسد ذروة البشاعة والاستعلاء الاستعماري، وهي نفس العقلية التي تدير شؤون السودان اليوم عبر الوكلاء الذين يتلقون الدعم من القوى الخارجية لإخماد ثورات الشعوب.
إن مدينة الأبيض اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية يتباكى عليها فولكر تورك في تقاريره الجوفاء، وليست كما يفهم العالم القاصر مجرد مدينة تواجه حصاراً عسكرياً تقليدياً، بل هي في جوهر الصراع وعمقه معركة تحرر وطني فاصلة تهدف إلى كسر قيود المركزية القابضة وتحرير إرادة شعب كردفان الكبرى من قبضة الطغمة الفاسدة التي تستنزف مواردها وتترك أهلها في العراء. إنها محطة رئيسية واستراتيجية في طريق بناء السودان الجديد، السودان التأسيسي الذي تتساوى فيه الرؤوس وتنتهي فيه امتيازات النخبة التاريخية وإلى الأبد، ليعود الحق لأصحابه وتتأسس دولة المواطنة بلا تمييز أو استعلاء.
إن النضال الذي تخوضه شعوب الهامش اليوم في الأبيض وفي كل شبر من أرض السودان المغتصبة هو نضال وجودي، لا يمكن إيقافه بحزم القرارات الأممية أو ببيانات الإدانة الصادرة من الغرف المغلقة في نيويورك أو جنيف. إنها ثورة الوعي التي تحطمت على صخرتها كل محاولات التزييف والدعاية السوداء التي مارستها الماكينة الإعلامية لدولة 56. لقد استفاقت الشعوب وعلمت أن طريق كرامتها يمر عبر تفكيك هذه البنية العنصرية وبناء نظام سياسي واقتصادي جديد يعيد توزيع السلطة والثروة بشكل عادل ويضمن لكل ذي حق حقه دون منة من مركز أو نخبة.
إن استمرار الآلة العسكرية للمركز في قصف المدنيين وممارسة الحصار والتجويع واستخدام الضحايا المستلبين كدروع بشرية لن يزيد قوى التحرر الوطني إلا إصراراً على المضي قدماً حتى نهاية الطريق. إن النصر معقود بلوء الإرادة الشعبية التي لا تقهر، وإن محاولات الجلاد المستميتة لإطالة عمر نظامه عبر الترهيب والترغيب وشراء الذمم هي رقصة الموت الأخيرة لنظام تهاوت كل مرتكزاته الأخلاقية والسياسية ولم يعد يستند إلا على بندقية صدئة وإعلام كاذب ودعم خارجي متواطئ يبحث عن مصالحه الخاصة على حساب جماجم أطفالنا ونسائنا في أقاليم السودان المختلفة.
إن العالم اليوم أمام محك أخلاقي وتاريخي كبير؛ فإذا كان لا يريد أو لا يرغب في الوقوف مع الشعوب المقهورة والمهمشة في نضالها العادل والمشروع من أجل الكرامة والحرية، فيجب عليه على الأقل ألا يشجع وكلاء الاستعمار ويمنحهم الغطاء السياسي والقرارات الأممية لارتكاب مزيد من المجازر وحمامات الدم بحق الأبرياء والعزل. إن استمرار هذا النهج الدولي الأعور والمتحيز يطرح سؤالاً جوهرياً ومصيرياً على ضمير الإنسانية: هل سيبقى العالم شريكاً وصامتاً وداعماً لأسوأ نظام عنصري استعلائي في العصر الحديث، أم سينحاز أخيراً لإرادة الشعوب الحرة التي قررت انتزاع حريتها بأيديها وتأسيس سودانها الجديد على أنقاض دولة الظلم والاستبداد؟




