رأي

إرتهان القرار السيادي وقرصنة المقدرات الوطنية المستقلة

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني 

تشهد الساحة السياسية والاقتصادية في الدولة فصلاً غاية في الخطورة والتعقيد من فصول التبعية المطلقة وغياب الإرادة الوطنية المستقلة، يتجلى بوضوح في التوجه اللوجستي المشترك بين سلطة الأمر الواقع وقوى إقليمية تسعى بكل قوة لإعادة رسم الخريطة التجارية نحو الموانئ الشرقية وتسييل حركة الصادرات والواردات بالكامل عبر البحر الأحمر. هذا التحول الكبير المحكوم بسقوف زمنية ضيقة ومريبة، لا يمكن قراءته بأي حال من الأحوال بمعزل عن الرضوخ الكامل للإملاءات الخارجية؛ حيث تحولت السلطة العسكرية القائمة إلى أداة تنفيذية طيعة لتجنيب اقتصاد تلك الدولة الإقليمية فخ الشروط الجزائية والغرامات المليارية الخانقة التي فرضتها الشركات العالمية والأوروبية. إن هذا الارتهان الفاضح للقرار السيادي يوضح للعيان كيف يتم تسخير المقدرات والموانئ الاستراتيجية لإنقاذ خزائن خارجية من التزاماتها الدولية، في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية والأمنية، دون أدنى مراعاة لمصلحة المواطن المغلوب على أمره.

ولم يعد خافياً أن التوجهات الجيوسياسية الإقليمية تتعامل مع الدولة كحديقة خلفية ومخزن مجاني مفتوح للمواد الخام والموارد الثروية الهائلة التي تُنهب دون وجه حق أو رادع قانوني وأخلاقي. هذا الاستغلال البشع والممنهج ليس وليد الظروف الراهنة، بل هو نتاج سياسة قائمة على سبق الإصرار والترصد، تهدف بالأساس إلى امتصاص المقدرات الوطنية وحرمان أهل الأرض منها بأبخس الأثمان لتغذية الشراكات الاستثمارية والتعاقدات الخارجية. وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطن من انعدام أبسط مقومات الحياة الأساسية من غذاء ودواء وأمان، وتطحن الأزمات المعيشية المتلاحقة الشعوب، تنساب قوافل الثروات الحيوانية والزراعية والمعادن النفيسة نحو الخارج لتعزيز اقتصادات متهاوية وتثبيت أركانها، ليصبح الشعب الذي يملك كل مقومات الرفاه الاقتصادي عاجزاً تحت خط الفقر، بينما تُشحن موارده علناً لتأمين استقرار أسواق أخرى.

إن الدور الذي تلعبه القيادة العسكرية الحالية يتجاوز حدود الفشل الإداري ليصل إلى مرحلة التواطؤ الصريح ضد مصالح الشعب؛ إذ باتت المؤسسة العسكرية تعمل كأداة لحراسة المصالح الخارجية وتأمين خطوط إمدادها الاستراتيجية، بدلاً من توجيه عقيدتها وجهودها لحماية المواطنين وصون حدود البلاد وثرواتها من السلب. إن التضحية الكبرى بالاقتصاد القومي، وتسهيل السيطرة الخارجية المطلقة على مفاصل التجارة عبر الموانئ، يعكسان مقايضة رخيصة تهدف إلى كسب شرعية سياسية ودعم إقليمي ودبلوماسي للسلطة العسكرية على حساب دمار البنية التحتية، وتجويع الملايين من المواطنين، واستمرار نزيف الدم في حرب عبثية لا تبقي ولا تذر، ولا تخدم سوى الأجندات الدولية الطامعة في ثروات هذا الوطن الجريح.

وفي سياق هذه الأزمة البنيوية، تتضح أبعاد الهيمنة المركبة التي تتداخل فيها الأبعاد السياسية بالاقتصادية والأمنية بشكل استعماري حديث وفج؛ حيث تمنح قوى جارة لنفسها الحق المطلق في التعاقد مع شركات أجنبية كبرى مستندةً بشكل أساسي وحصري على الموارد والثروات الوطنية الخام. إن هذا السلوك يمثل قمة الاستخفاف بالسيادة والغطرسة، حيث تُباع وتُرهن الثروات في المحافل الدولية بواسطة وسيط خارجي يجني الأرباح والنفوذ، بينما يُحرم أصحاب الأرض الحقيقيون من حق التفاوض المباشر وتصدير مواردهم لصالح خزينتهم المنهكة. إن قيام أطراف خارجية بضم الخام الوطني إلى سلتها التصديرية والتعاطي معه كملك صرف لها دون دفع مقابل عادل يمثل عملية قرصنة مكتملة الأركان، وتدميراً متعمداً للمستقبل الاقتصادي للبلاد، يجري تمريره خلف الكواليس عبر تغيير المسارات اللوجستية نحو الموانئ الشرقية لتفادي الاحتجاجات الشعبية والرقابة المجتمعية.

أمام هذا الواقع المأساوي، لم يعد كافياً الانكفاء وراء الاحتجاجات الإقليمية والمناطقية الضيقة. إن ما أحدثه الحراك الشعبي في المعابر الشمالية من إرباك للمخططات التوسعية كان نموذجاً ملهماً وقوياً، لكن حصر المواجهة في إقليم جغرافي واحد سمح للسلطة الحاكمة وحلفائها بالالتفاف عليه وتغيير ساحة المعركة نحو الشرق. لذلك، تبرز ضرورة حتمية تقضي بأن تتحول البلاد بأكملها إلى ترس قومي شامل في وجه التمدد والغطرسة الخارجية. إن مواجهة استنزاف الموارد تتطلب اليوم اصطفافاً شعبياً عريضاً يتجاوز القبلية والجهوية، ليقف كالسد المنيع أمام أي محاولة لتصدير ثروات البلاد عبر أي ميناء أو معبر دون وجود حكومة وطنية شرعية تضمن حقوق الشعب أولاً وتوقف هذه المهازل اللوجستية التي تستنزف الحاضر والمستقبل.

لقد كشفت أزمة إغلاق الطرق البرية عورة الخطاب الرسمي للسلطة العسكرية وتناقضاته الصارخة؛ فبينما كانت ترفع شعارات فرض هيبة القانون لحسم الحركات المطلبية بالقوة، عجزت تماماً عن الحسم في مناطق أخرى خوفاً من تفكك حاضنتها الاجتماعية والسياسية القائمة على التوازنات القبلية الحساسة. هذا العجز لم يكن احتراماً للحقوق، بل كان حساباً سياسياً انتهازياً ضيقاً لحماية النواة الصلبة للنظام الحاكم. وعندما ضاقت الخيارات واشتد الخناق الاقتصادي على الحليف الخارجي، كان الحل اللجوء إلى الشرق وتغيير المسار اللوجستي للتجارة كآلية هرب بديلة، مما يؤكد أن السلطة مستعدة لبيع مقدرات الشرق وتغيير الجغرافيا الاقتصادية للبلاد بأكملها لمجرد حماية عروشها وتأمين مصالح حليفها الإقليمي دون أي وازع وطني.

إن التحدي الحقيقي والمصيري اليوم هو استعادة السيطرة الكاملة على القرار الاقتصادي المصادر من قبل سلطة الأمر الواقع والنظام الإقليمي المستغل. إن النداءات الحالية تتطلب من أبناء الوطن في شرق البلاد، والذين تُستغل موانئهم اليوم كممر بديل للقرصنة والالتفاف على الحقوق، أن يكونوا على قدر المسؤولية التاريخية وألا يسمحوا مطلقاً بأن تُستغل أرضهم لكسر إرادة بقية الأقاليم. إن الوقوف بصلابة ضد خروج أي خامات أو موارد دون تصنيع محلي أو عائد حقيقي للبلاد هو الخطوة الأولى نحو إسقاط سياسة التبعية المخزية، وانتزاع السيادة الوطنية الكاملة غير المنقوصة وتأسيس سلطة مدنية تعبر عن تطلعات المواطن، لتخرج البلاد من وهدة الجوع والدمار والفقر إلى آفاق الحرية والعدالة والسيادة الوطنية المطلقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!