

عمار نجم الدين
(( ما لم يكن للأسود مؤرخوها، فستظل حكايات الصيد تمجد الصياد دائما ))
— تشينوا أتشيبي
الدولة لا تقرأ من دساتيرها المنمقة بل من أجساد نسائها ومن الكرت البصري للأرصفة
تأمل الصور المرفقة جيدا إنها ليست مجرد لقطات احتفالية بتأسيس جسم نقابي بل هي إثبات بالنظر لهندسة الفصل التي تديرنا في هذه الصور لا توجد امرأة واحدة من الشمال النيلي وهو ما يقودنا إلى مغالطة التعميم المتحيز التي تمارسها الدولة فهي توهمنا بأن هؤلاء النساء اخترن الأرصفة بمحض إرادتهن بينما الحقيقة أن السيستم يوزع المقاعد بناء على فحص العرق الملامح الأفريقية في مخيال السلطة هي وقود الخدمة لا منصات السيادة والعدل في أوطاننا ليس أعمى بل يمتلك عيونا تميز الألوان الجغرافية بدقة مذهلة
في هذا المشهد لا تظهر القديسة جوزفين بخيتة كأيقونة دينية بل كوثيقة تاريخية تشرح كيف تدار الماكينة العرقية بخيتة ابنة دارفور لم تكن ضحية عابرة بل كانت مادة خام في دورة إنتاج بدأت بالسخرة وانتهت بالقداسة المفارقة السوداء تكمن في اسمها بخيتة الاسم الذي منحه لها الخاطفون في مصادرة على المطلوب ليوهمونا بأن الرق محض حظ بينما كان تجار الرقيق يصنعون هويتها الجديدة بالحديد المحمي وصوت العنج المصنوع من جلد فرس النهر (( القرنتية )) لتترك على جسدها ندوبا أبدية كعلامات ملكية تجارية

هذه الصور هي الأرشيف الحي لحكاية بخيتة وليست منفصلة عنه
إن نساءنا الصابرات اللواتي يواجهن هجير الأرصفة اليوم لسن إلا امتدادا لذاك التاريخ الذي حاول استلاب كرامة جدتهن لقد تغير شكل الزمن لكن العقل المشغل لا يزال يحاول حصر هذا العطاء الأفريقي في مهن الكدح السلطة التي كانت تستخدم الحديد المحمي وسياط القرنتية استبدلتها اليوم بـ محلية تطارد بائعات الشاي وخطاب إقصائي يرى في المواطنة حقا حصريا لقد كسر القيد في اليدين ليصاغ قيد أمتن في تصنيفات البشر
وهنا يطل التاريخ برأسه من خلال مذكرة كرام المواطنين المرفوعة لمدير المخابرات الإنجليزي عام 1925 والمسكوت عنه بمرارة أن رافعي هذه المذكرة هم أنفسهم الذين صاروا لاحقا آباء الاستقلال وصناع الدولة السودانية الحديثة لقد هندس هؤلاء الآباء دولة ما بعد الاستعمار لتكون وريثة شرعية لنظام السخرة والفرز العرقي فحملت الدولة في مؤسساتها ومكوناتها ندوب التفاوتات العرقية والفصل العنصري كجينات تأسيسية لقد كانت لحظة الاستقلال بالنسبة للهامش مجرد استبدال لمستعمر أبيض بنخبة محلية تمارس الأبارتايد بكل قسوة وتعتبر الأغلبية الأفريقية مجرد عناصر متأخرة كما وصفتهم المذكرة المخجلة
تظهر الصور تتويج عوضية كوكو نقيبا إنها لحظة قوة لكنها أيضا فخ الرنجة الحمراء الذي تنصبه السلطة فهي تمنح الهامش نقابة لتشغله بتنظيم بؤسه بينما تحتفظ هي بمفاتيح الخزانة والقرار يقال للأفريقي أقصى طموحك أن ترأس نقابة الكادحين لا أن تقود الدولة فما أبشع أن يباع للشقي حلم التنظيم ليدار شقاؤه لا ليلغى
السيستم يعمل بذات الكفاءة
الأم الأفريقية تخدم الرصيف والابن الأفريقي يخدم الخندق
الجندي من الهامش والرتبة من المركز
المرأة من الهامش والثروة في المركز
بخيتة نجت لتصبح قديسة في روما لكن الملايين لا يزالون داخل القالب نفسه حيث يوزع الموت والحياة وفقا للون الجلد الحرب الحالية هي لحظة الانكشاف صدام بين عقل يرى في الإنسان الأفريقي مادة خام ومجتمعات تطالب بأن تعامل كشريك أصيل
لا يكفي وقف إطلاق النار فالمشكلة في المنطق العنصري الذي يضغط على الزناد دفاعا عن امتيازات تاريخية تجذرت منذ مذكرة 1925 وحتى اليوم العدالة لا تبدأ بـ انتخابات لبائعات الشاي بل بتفكيك هذا النظام الذي جعل من اللون الأفريقي وصمة وظيفية وبدون مواجهة هذا التصميم العنصري ستظل حفيدات بخيتة يحملن نفس الندوب وإن كانت هذه المرة محفورة في عمق الهوية والمواطنة في نظام جعل من بشرتهن بطاقة العبور الوحيدة نحو الرصيف




