رأي

لعبة السلطة… كيف يقود البرهان السودان إلى حافة الفوضى؟

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

منذ قبل انقلاب البرهان على سلطة الثورة، ومن يتابع مسار الأحداث يدرك أن الرجل اختار مبكرًا الدخول في لعبة خطيرة تقوم على المغامرة بمستقبل البلاد من أجل تثبيت موقعه. فقد اتضح أن البرهان يدرك تمامًا أن أي عودة للمسار المدني ستضعه أمام أسئلة صعبة، ولذلك ظل يبحث بلا توقف عن طرق تؤجل تلك اللحظة مهما كانت الكلفة على السودان وشعبه.

وجود البرهان على رأس المشهد لم يكن نتيجة تحالف سياسي صلب، بل حصيلة شبكة متناقضة من القوى التي التقت فقط عند مصلحة واحدة: أن استمرار القتال يوفر لها غطاءً مريحًا لإعادة تموضعها وتجميد الأسئلة الكبرى التي تهدد نفوذها. هذه المجموعات لا يجمعها مشروع ولا رؤية، لكنها جميعًا تجد في الحرب ملاذًا يحميها من مواجهة الواقع.

اعتمد البرهان منذ ذلك الحين على أسلوب المناورة وتحصين نفسه بتحالفات مؤقتة، يوازن بينها بحسابات صغيرة هدفها تثبيت سلطته وتجنب أي التزام سياسي جاد. ومع الزمن، لم يعد الأمر مجرد تكتيك عابر، بل تحول إلى منهج كامل لإدارة الدولة، يقوم على شراء الوقت، والهروب من أي استحقاق، وتحويل كل أزمة إلى فرصة للإفلات من المسؤولية.

وفي خضم هذا النهج، تورط البرهان ومعسكره تدريجيًا في مستنقع الحرب إلى درجة أصبح معها الخروج مستحيلًا دون تهديد مصالحهم. داخل هذا المعسكر تتجاور مصالح متنافرة: مجموعات تخشى أن تعود السياسة لأنها ستعيد معها المساءلة والمحاكمات، وأخرى ترى أن أي حديث عن هدنة أو تسوية يمثل تهديدًا لعودتها إلى لحظة الحساب. لذلك بات من الواضح أن استمرار الحرب بالنسبة لهم ليس خيارًا عسكريًا فقط، بل ضرورة سياسية للبقاء.

وهذا ما يفسر الخطاب الذي لا يقدّم أي أفق للسلام، والزيارات الخارجية التي لا تحمل أي نية للتسوية، وإنما تهدف إلى حصد اعتراف يكفي لتثبيت كرسي مهتز. فالمعادلة القائمة الآن خطيرة للغاية: قائد يربط مصير البلاد بمصيره الشخصي، وحلفاء لا يبقون إلا في ظل الحرب، وتوازنات مهترئة قابلة للانهيار مع أول خطوة حقيقية نحو حل سياسي شامل.

في هذا المشهد المأزوم يصبح السودان كله رهينة لمعادلة ضيقة لا تعبر عن تطلعات شعبه، بينما يدفع المدنيون أثمانًا باهظة لحرب لم يختاروها، ويعيشون يوميًا تحت وطأة الفوضى التي تتسع كلما انسدت أفق السياسة وتصلبت إرادة السلطة. إن أخطر ما في هذه اللعبة أنها لا تملك نهاية آمنة، وأن استمرارها يعني فقط انهيارًا أعمق للدولة، واتساعًا للفجوة بين السلطة والشعب، وتآكلًا لما تبقى من حلم بوطن يستحق الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!