
سمية النور دهب.. دبلن
في اللحظات التاريخية الفاصلة، لا يكون الصمت موقفًا محايدًا، ولا يُعد الوقوف في المنتصف فضيلة أخلاقية كما يحلو للبعض أن يصوّره. فحين تتعرض الدول لتدخلات عسكرية إقليمية مباشرة، وتسعى قوى خارجية إلى إعادة هندسة السلطة بما يخدم مصالحها وأيديولوجياتها، يصبح الحياد في حد ذاته فعلًا سياسيًا يحمل دلالات خطيرة، تتجاوز الادعاء البريء بعدم الانحياز.
ما يشهده السودان اليوم لا يمكن اختزاله في كونه صراعًا داخليًا بين أطراف محلية متنازعة، بل هو جزء من مشهد إقليمي أوسع، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المشاريع السياسية، وتُستخدم فيه أدوات محلية لإعادة فرض أنماط حكم لفظها الشارع سابقًا. في هذا السياق، يتحول خطاب “الانتظار” و”الترقب” و”الوقوف على مسافة واحدة” إلى غطاء ناعم لتمرير أجندات خشنة، لا علاقة لها بتطلعات السودانيين في الحرية والدولة المدنية.
إن أخطر ما في الحياد الزائف أنه لا يُعلن انحيازه، بل يتخفى خلف لغة أخلاقية تبدو متزنة في ظاهرها، بينما تمنح في جوهرها فرصة ذهبية لقوى الاستبداد كي تعيد ترتيب صفوفها. فالأنظمة التي سقطت أو تآكلت بفعل الرفض الشعبي لا يمكن إنعاشها من الداخل، وإنما تُبعث من جديد عبر التدخل الخارجي، والسند العسكري، وإعادة إنتاج الخطاب القديم بأدوات جديدة.
التجربة السودانية، كما تجارب المنطقة، أثبتت أن أي مشروع سياسي يقوم على فوهة البندقية أو على رعاية إقليمية مفروضة، هو مشروع مؤجل السقوط، حتى وإن بدا صلبًا في لحظة ما. غير أن كلفة هذا السقوط لا تُدفع دفعة واحدة، بل تُستنزف من دماء الناس، ومن مستقبل الدولة، ومن نسيجها الاجتماعي. وهنا تكمن مسؤولية النخب والقوى المدنية: إما أن تكون جزءًا من معركة الوعي، أو شاهدًا صامتًا على إعادة إنتاج المأساة.
الوضوح، في مثل هذه اللحظات، ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية. تسمية الأشياء بأسمائها، والكشف عن طبيعة التدخلات، والانحياز الصريح لحق الشعوب في تقرير مصيرها، هي شروط أساسية لأي حديث جاد عن السلام والاستقرار. أما الاحتماء بمنطقة الرماد، فلن يحمي أحدًا حين تتوسع رقعة النار.
إن التاريخ لا يرحم المواقف الملتبسة، ولا يكافئ الصمت في زمن الانتهاكات الكبرى. فالحياد الذي لا ينحاز للحرية، ينتهي غالبًا منحازًا للاستبداد، ولو بعد حين. وفي السودان اليوم، لا يبدو السؤال مطروحًا حول إمكانية الاختيار، بل حول شجاعة اتخاذه قبل أن تتضاعف كلفة الخلاص، ويصبح الثمن أفدح مما يحتمل.




